لماذا غاب “الفقر، والبطالة، والصناعة” عن رد الرئيس الرزاز على التكليف؟

ربما تكون هذه هي المرة الأولى، التي يشهد فيها رد رئيس الوزراء المكلف، مثل هذا الغياب الجماعي لمفردات مثل: الفقر والبطالة والزراعة والصناعة المحليتين (الانتاج المادي المحلي) والصحة العامة والتعليم العام وظروف المحافظات وتنميتها… وهي المفردات التي شكل بعضها قاسما مشتركا في النصوص المماثلة.
ولكي لا يكون هناك تعسف في هذه الملاحظة، نشير إلى أنه وردت بالفعل في رد الرئيس الرزاز، إشارات إلى تطوير خدمات التعليم والصحة، غير أن هذا يختلف عن المقصود في الملاحظة هنا، حول التعليم العام والصحة العامة.
إن الكلام هنا هو عن إيصال التعليم والصحة بالشكل والمستوى المناسبين إلى ما اصطلح على تسميته بالأوساط الشعبية.
ولا بد هنا من الاستدراك والتذكير بحقيقة أن نصوص كتب التكليف والردود التي يقدمها الرؤساء المكلفون بتشكيل حكومات جديدة، تعد في الأصل جزءا من البروتوكول الرسمي، إلا أنه جرت العادة أن يكون محتواها مؤشرا ولو بصورة أولية على زاوية نظر الحكومة المعنية وعلى زوايا اهتمامها وما يدور في تفكيرها.
الحماية الاجتماعية
لكن دعونا نكون منصفين، فهناك مفاهيم وإشارات بديلة، على الأقل فيما يتصل بالفقر، وردت في رد الرئيس عمر الرزاز، قد يرى واضعوها أنها تعوض الكلام عن الفقر وما يتصل به من قضايا.
لعل أبرز نقطة هي تلك المتعلقة بمفهوم “الحماية الاجتماعية”، وهو مفهوم أخذ يفرض نفسه منذ سنوات في أدبيات المنظمات الدولية، وقد حل في كثير من الأحيان محل مفهوم “شبكة الأمان الاجتماعي”، لأن هذا المفهوم الأخير يتصل أساسا بجوانب التحويلات المالية والعينية، أي الدعم المباشر للفقراء، في حين أن مفهوم “الحماية الاجتماعية” الجديد نسبياً، له محتوى أشمل وأطول مدى وأكثر عمومية، لأنه يهدف إلى دمج الفقراء والفئات الدنيا في مجمل العمليات الاقتصادية الانتاجية، وهو ما يفترض أن يشكل حماية من التقلبات، وهي حماية يشترك بها الفقراء أنفسهم، ولا يكتفون بدور المتلقي كما في حالة شبكة الأمان.
الجدير بالذكر، أن المفهوم الأول أي “شبكة الأمان”، ترافق حضوره مع برامج التصحيح التي قدمها صندوق النقد والبنك الدوليان، والتي زعمت أنها حتما ستقود إلى النمو العام الذي سيطال أثره الجميع، غير أنها تفضلت بالاعتراف بأنه على المدى القصير ستتأثر بعض الفئات سلبيا، وأن شبكة الأمان (الدعم المالي المؤقت) سيشكل حماية مؤقتة بانتظار أن يلتحق الجميع بعجلة النمو.
لقد أثبتت سيرة شتى دول العالم مع برامج التصحيح، التي بلغ عمرها أكثر من أربعين عاماً في بعض البلدان، وتجاوزت ربع قرن في الأردن، أن الآثار السلبية هي جزء رئيسي دائم من برامج التصحيح، وأن هذه البرامج تتضمن الإفقار في حد ذاتها. وفي بلدنا الأردن بالذات، شهد الفقر توسعاً كميا ونوعيا، رغم تضخم حجم المال المنفق في شتى عمليات الأمان الاجتماعي، أي رغم التضخم المتواصل في الدعم المالي، والذي ختم رئيس الوزراء السابق هاني الملقي عهده بوعد بزيادة ملحوظة فيه، وهو ما يعني أن الأثر السلبي لبرامج التصحيح هو أثر طويل المدى ومتأصل في هذه البرامج.
الواقع أن مفهوم “الحماية الاجتماعية” الجديد نسبيا ينطوي على ممكنات تنموية فعلية، وهو على كل حال لم ينشأ لا في صندوق النقد ولا في البنك الدولي، بل في منظمات الأمم المتحدة الأخرى. لكن هذه الحماية الاجتماعية إذا أريد لها أن تحقق أهدافها التنموية، فهي لن تكون مجرد إجراءات أو تعليمات أو قرارات هنا وهناك، إنها نهج متكامل أو لنقل إنها جزء مكون من نهج متكامل تقوده دولة تنظر إلى مواطنيها بعدالة ومساواة.
سوف أدافع فيما تبقى من هذا التقرير عن فكرة أن سيرة التنمية في الأردن تتضمن تجربة ريادية حقيقية مجربة وواقعية في مجال الحماية الاجتماعية، وقد صنعت تلك التجربة بمقدرات محلية وبجهود ذهنية وعبر عملية وطنية بالكامل، وهذا أمر طبيعي، ذلك لأن قضية كالتنمية، تتخلل كل تفاصيل المجتمع الثقافية والاجتماعية والسياسية، لا بد وأن تدار وتصمم وطنياً، وإذا كانت هناك من فوائد للتجارب الدولية فهي ستكون ذات طابع فني تقني، أكثر منها اتصالا بالمحتوى العميق الذي يجب أن يكون محليا وطنيا.
بالدرجة الأولى، تتطلب “الحماية الاجتماعية” تناغما وتوافقا واتفاقا على توسيع نطاق الخدمة في القطاعين الأكثر مساسا بالتنمية وهما “التعليم والصحة”، ذلك أن توفير التعليم العام والصحة العامة بدرجة معقولة وبجودة مناسبة سوف يعني بالمحصلة توفير فرص التصعيد الاجتماعي، لأنه يعني إشراكا للفقراء في تحمل مسؤولية مصائرهم وفي تغيير ظروفهم، وحينها يصبح الدعم المالي مؤقتا فعلاً، لأنه يكون عنصرا مساعدا، لأن الدولة توفر عبر التعليم والصحة، الامكانات الذهنية والجسدية للفقراء، وقد تقدم الدعم المالي كمحفز مؤقت على مواصلة طريقهم ورفع مستوى أسرهم.
صيغة أردنية للحماية الاجتماعية
والواقع أن هذه العملية هي بالضبط ما جرى فعلاً في عقد الستينات وجزئيا في السبعينات والثمانينات، وذلك من دون الحاجة إلى مفردات ومفاهيم معقدة، وقد استخدموا في وصفها مفردات محلية بالكامل. لقد اشتغلت حينها كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية في رعاية شأني التعليم والصحة، ولاحقت المواطنين بمن فيهم البدو الرحل، الذي وفرت لهم في بعض الحالات المدرسين “الرُّحّل” الذي لاحقوا بيوت الشعر في تنقلها.
المؤسف أنه ومنذ بدء برامج التصحيح، ومنذ الشروع بتطبيق شبكات الأمان، فإن ما يجري هو عملية لا تنموية أو “ضد تنموية”، تتمثل في تراجع كمي ونوعي في خدمتي التعليم العام والصحة العامة، خدمة لعناصر برامج التصحيح الأخرى.
اليوم، كيف يمكن مثلاً الحديث عن حماية اجتماعية مع قرار دمج المدارس الذي في كثير من الحالات القاسية كان يعني حرمان أو تصعيب الحصول على خدمة التعليم وخاصة للفتيات؟ وكيف يمكن الحديث عن حماية اجتماعية بينما يشتد الخناق على العاملين في القطاع غير الرسمي (الذي تسميه بعض الأدبيات الاقتصاد الشعبي)؟ وأية حماية اجتماعية ممكنة بالترافق مع رفع كلفة العمل على المزارعين الصغار، سواء تحدثنا عن قطاع الزراعة المحترف في الأغوار وغيرها أو على الزراعة كنشاط مكمل في مناطق عجلون وجرش والشوبك والطفيلة ومزارعي الحبوب هنا وهناك؟
إن وضع أهداف (مهمة بالطبع) مثل رفع نسبة النمو وتحسين تنافسية الاقتصاد وتحفيز الاستثمار، حتى لو تحققت، فإنه ليس بالضرورة أن يكون لها أثر تنموي (يتضمن توزيعا واسع النطاق للعوائد).
وفي بعض الحالات قد يكون الأثر التنموي لهذه الأهداف سلبيا. فعلى سبيل المثال، إن قرار إقامة فندق فخم يدر عائدا كبيرا على بضعة أفراد، فوق قطعة أرض يشغلها باعة البسطات صغيرة، التي تتوزع عوائدها على عشرات الأسر، هو قرار غير تنموي اجتماعياً، على ما فيه من زيادة ونمو واضحين فيما يتعلق بالأرقام الكلية. إن قضية التوزيع أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالتنمية. الغد

اقرأ ايضاً

اترك تعليق