الاحتفال بالنصر بعد كل هزيمة … تقليد بعثي قديم

احتفالات النظام السوري “بانتصاره” على “العدوان الثلاثي” يعيد تسليط الضوء على تقليد بعثي قديم، لا يكتفي بإنكار حصول الهزائم من الأساس، بل يسوقها كانتصارات، ويقيم الاحتفالات والاستعراضات ويعطل دوائر الدولة في ذكراها.

كانت بداية هذا التقليد في حرب حزيران/يونيو عام 1967، إذ بعد الهزيمة التي منيت بها الدول العربية والتي تم فيها تدمير الجيوش المصرية والسورية والأردنية خلال ستة أيام فقط بطريقة أقل ما يقال عنها أنها مهينة، خرج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 9 حزيران/يونيو في خطاب للشعب المصري معلنا فيه مسؤوليته الكاملة عما حدث في هذه الحرب واستقالته من كافة مناصبه.

ورغم أنه عاد عنها بعد أيام متعهدا بالعمل على إزالة آثار العدوان لكنه لم ينكر حدوث هذه الخسارة القاسية، ولكن الوضع في دمشق كان مختلفا، فقد أطلق الإعلام السوري على هذه الكارثة الوطنية تسمية “النكسة”، بمعنى أنها صغيرة الحجم وعابرة، ثم خرج بنتيجة أن إسرائيل لم تنتصر في هذه الحرب لأنها فشلت في تحقيق هدفها الوحيد من عدوانها وهو إسقاط النظام الوطني التقدمي في سورية!، عبرت هذه الطريقة عن طبيعة إعلام الممانعة والتي لازمته طوال الخمسين سنة التالية.

قدم صدام حسين فيما بعد الكثير من الأمثلة المشابهة. ابتداء من قادسية صدام وهي الحرب التي استمرت ثماني سنوات، كانت المعارك في عامها الأول فقط ضمن الأراضي الإيرانية بينما في بقية السنوات كانت داخل العراق، والتي فقد فيها مئات آلاف العراقيين حياتهم بالإضافة لعدد أكبر من الجرحى والمعوقين، وانتهت الحرب بعد كل هذه الخسائر من حيث بدأت.
لم يكتف الإعلام العراقي بادعاء الانتصار فيها، بل زعم أن العراق أصبح بعدها يملك رابع أقوى جيش في العالم، وتابع على نفس الطريق عند احتلاله للكويت وما أعقبها من “أم المعارك” التي انتهت سريعا بمنظر طوابير لآلاف الجنود البؤساء المستسلمين أمام قوات التحالف الدولي.

ثابر نظام صدام حسين على أسلوبه هذا لعدة سنوات، حتى جاء أفضل تعبير عن الاحتفال بالنصر في ذروة الهزيمة في شخص وزير الإعلام العراقي الشهير محمد سعيد الصحاف والذي استمر بادعاء حدوث انتصارات وهمية عام 2003 إلى ما قبل ساعات فقط من تسليم نفسه للقوات الأميركية.

ثابر نظام صدام حسين على أسلوبه هذا لعدة سنوات، حتى جاء أفضل تعبير عن الاحتفال بالنصر في ذروة الهزيمة في شخص وزير الإعلام العراقي الشهير محمد سعيد الصحاف والذي استمر بادعاء حدوث انتصارات وهمية عام 2003 إلى ما قبل ساعات فقط من تسليم نفسه للقوات الأميركية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل الصلوات الخمس بدعة؟

على هذا الطريق يسير اليوم إعلام “محور المقاومة”، فمقارنة سريعة لوضع النظام السوري اليوم وما كان عليه الحال قبل عقدين تظهر فارقا كبيرا لا يمكن أبدا أن يشبه النصر ولا أن تقام لأجله الاحتفالات.

كان حافظ الأسد في الثمانينيات والتسعينيات حاكما مطلقا لسورية لا ينازعه سلطته أحد. نجح في تصفية كل خصومه العسكريين والسياسيين بمن فيهم من ساعده في تسلقه لقمة السلطة. حتى شقيقه رفعت، كان مصيره الإبعاد عندما توسع نفوذه وازدادت قوته أكثر من اللازم. كما قضى الأسد تماما على الحياة السياسية في الداخل السوري، ووصلت درجة ولاء بعض أتباعه له إلى درجة التقديس.

تحكم جيشه بلبنان بشكل كامل مما أضاف دخلا بمليارات الدولارات لعائلته ولكبار قادته العسكريين والذين استمتعوا بامتيازاتهم كحكام لبلد آخر. وكانت كل المواضيع الصغيرة والكبيرة في سورية ولبنان لا تحل إلا عن طريقه وحده، كما كان دوره الإقليمي لا يستهان به. ساعده على ذلك غياب عراق صدام حسين عن الساحة الإقليمية والدولية لانشغاله بحروبه وحماقاته، وتعقد العلاقات العربية مع مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد واغتيال الرئيس أنور السادات.

وأتاح تحالف الأسد مع النظام الإيراني له مجموعة من المكاسب الاقتصادية والسياسية. فقد كانت سورية وجهة لملايين الإيرانيين للسياحة والحج، ونافذة هذا النظام على المنطقة العربية؛ فإذا أرادت إحدى دول الخليج إيصال رسالة لإيران فما عليها سوى زيارة دمشق، وإذا أرادت إحدى دول الغرب الاطمئنان على أحد رعاياها الذي تم اختطافه من قبل الميليشيات المرتبطة بإيران فما عليها سوى التوسط لدى حافظ الأسد. وبالمقابل فإن إيران تتواصل عبر دمشق تتواصل مع بعض الدول.

كانت العلاقة السورية الإيرانية ندية ومتكافئة، أما شعارات الممانعة والمقاومة فقد كانت في أفضل أيامها فلبنان الخاضع للوصاية السورية هو ساحة المواجهة الوحيدة مع إسرائيل، وكان يكفي ادعاء مواجهة إسرائيل للتغطية على أي ممارسات اتبعها أو مجازر ارتكبها حافظ الأسد في سورية وخارجها.

حتى في الداخل التركي كان لحافظ الأسد شكل من أشكال النفوذ اعتمادا على تعاطف نسبة من العلويين الأتراك مع الحكم في سورية لاعتبارات طائفية، بالإضافة للعلاقة الخاصة مع بعض أكراد تركيا من خلال احتضان عبد الله أوجلان الذي كان في قمة نشاطه ونفوذه خلال تلك الفترة.

أما دول الخليج، فرغم عدم إعجابها بطبيعة النظام في سورية أو بشخصية حافظ الأسد لكنها اعتبرت دعمه جزء من التزامها القومي، وكانت مشاركة فرقة عسكرية سورية في عملية تحرير الكويت، رغم تواضع دورها الحقيقي، جزء ضروريا من الغطاء العربي لهذه العملية.

وكانت أوروبا والولايات المتحدة الأميركية تعتبر النظام السوري عامل استقرار في المنطقة، كانت علاقاتهم معه مقبولة. ولا يمكن تجاهل العلاقة المتينة لهذا النظام مع روسيا والصين وبقية دول العالم الثالث.

كان حافظ الأسد الديكتاتور المدلل من العالم أجمع.

هذا النظام المتين صاحب الدور الإقليمي المحوري أورثه حافظ الأسد في حزيران/يونيو عام 2000 لابنه بشار.

في العام 2003 وما بعده اتهمت أوساط أميركية وعراقية النظام السوري بأنه يسهل دخول الإرهابيين للعراق ويهدد أمنه واستقراره. وتم طرده من لبنان بعد اتهامه بالاشتراك في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005؛ وتحول تدريجيا لنظام منبوذ دوليا وتراجعت المراهنات على إمكانية قيامه بأي إصلاحات داخلية.

مع بدء الثورة السورية اتضح افتقاد بشار الأسد للحكمة والرصانة وروح المبادرة، بينما تكشفت قابليته لتنفيذ عمليات قتل ممنهج بلا حدود بحق معارضيه حتى من خلال التدمير الواسع للمدن والبلدات.

بين الأعوام 2012 و2014 كان الدور الإيراني بارزا في إنقاذه من الانهيار التام وكان لقاسم سليماني وحسن نصر الله دورا حاسما في ذلك، فتحولا إلى “أبطال” في أعين الموالين للنظام السوري.

اعتبارا من نهاية 2015 ومع الدخول الروسي العلني والواسع بعد عجز ميليشيات إيران عن إنقاذه، غاب دور بشار الأسد بشكل كامل واختفى تحت ظل بوتين. وتكررت حالات التجاهل والمواقف المهينة التي تعرض لها، من ذهابه إلى موسكو بطائرة قيل في الإعلام إنها طائرة شحن واستقباله بدون أي مراسم، أو جلبه إلى قاعدة حميميم لمقابلة قادة عسكريين روس كلما دعت الحاجة، إلى الموقف الذي رصدته الكاميرات لإمساك عنصر أمن روسي بيده لمنعه من اللحاق ببوتين، والذي ترافق مع تزايد الدور الروسي يوما بعد يوم في تقرير كامل السياسة الدفاعية والخارجية للدولة السورية.

لم تكن هناك حاجة لوجود الأسد أو استشارته في النقاشات والمؤتمرات حول مصير سورية. اختفى وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن الإعلام، وليس على من لديه تساؤلات عن السياسة الخارجية السورية سوى التوجه إلى لافروف وبوغدانوف.

قليلون في سورية والعالم يعرفون أن اسم وزير الدفاع السوري الحالي هو علي أيوب إذ ليس لديه ما يفعله، لأن الجيش الروسي هو المسؤول عن الوضع العسكري في سورية بقيادة وزير الدفاع سيرغي شويغو، أما بقية التشكيلات السورية وغير السورية فهي ليست أكثر من ميليشيات تكلفها القيادة الروسية بمهماتها حسب الحاجة.

كما برزت خلال السنوات الأخيرة مراكز ثقل جديدة لرجال أعمال من الطائفة العلوية شكلوا بأموالهم ميليشيات خاصة يمارسون عبرها دور الحكام لأحيائهم وقراهم. وفي كثير من الأحيان لا يعترفون بوجود سلطة أعلى منهم، وعند حدوث أي إشكال أو تجاوز يلجأ الموالون إلى قاعدة حميميم للشكوى، بما يعني اعترافهم بعدم وجود سلطة حقيقية عند ما تبقى من مؤسسات الدولة السورية.

اقرأ للكاتب أيضا: بعد الديموقراطية، هل تتجه البشرية إلى عصر الرؤساء مدى الحياة؟

وبرز في الخيال الشعبي للموالين أسماء لقادة عسكريين محليين آخرين مثل النمر وغيره ينسجون حولها قصص الشجاعة والبطولة واختفت بالمقابل أي صورة إيجابية أو مشابهة عن أفراد عائلة الأسد. أما مسرحيات خروج بشار الأسد في جولات على بعض المناطق أو خطوط المواجهة والتي يستغرق التحضير لها أسابيع، فقد كان إخراجها بائسا ولم تستطع إقناع أحد بوجود أي دور سياسي أو عسكري حقيقي له.

في نظر كثيرين أصبح بشار الأسد واجهة يبقيها بعض اللاعبين الخارجيين لأسبابهم الخاصة، وهناك من يقول إنه قد أصبح مع الوقت عبئا حتى على المدافعين عنه، خاصة بوتين، نتيجة الجرائم الموثقة المرتبطة به والتي ليس من السهل القفز فوقها، والتي يقول بعض القضاة الدوليين إنها أكثر ملف للجرائم ضد الإنسانية موثق في تاريخ البشرية كله.

عندما تقول الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن إن نظام الأسد قد استخدم الأسلحة الكيماوية عشرات المرات وإنه متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فإن هذا يجعل محاولات روسيا في إعادة تأهيل هذا النظام أكثر صعوبة.

كما أن الدول التي كانت مترددة قبل الضربة العسكرية الأخيرة في مواقفها نتيجة غياب الدور الأميركي، أعادت حساباتها الآن وتبنت سياسة أقوى تماشيا مع الموقف الغربي الجديد، مثل دول الخليج والأردن وتركيا وإسرائيل، والتي كانت روسيا تعتمد عليها لتسويق حل سياسي يبقي عائلة الأسد لفترة غير محددة في الحكم مقابل تحجيم الدور الإيراني؛ وبذلك بات على روسيا إيجاد مقاربة أكثر واقعية للحل السوري. أي أنه رغم أن قيمة هذه الضربة على المستوى العسكري متواضعة جدا، لكن أبعادها السياسية كبيرة وليست في صالح النظام السوري. رغم ذلك، فإن هذا النظام قد احتفل حسب العادة بنصر جديد للسيادة الوطنية وتميزت احتفالاته هذه المرة بأنها حصلت تحت الأعلام الروسية والإيرانية.

اترك تعليق