ماذا يحدث حين تُربي قرداً مع الأطفال ؟ .. اليكم تجربة الأمريكي “وينثروب كيلوج”

قصة طرزان، وحي بن يقظان، ليستا من نسج الخيال.. فالتاريخ يحفل بقصص كثيرة عن أطفال تربوا منذ ولادتهم مع حيوانات اهتمت بهم ورعتهم كأطفالها.

أنا شخصياً سبق وكتبت مقالاً (بعنوان: طرزان لكل زمان) استعرضت فيه نماذج كهذه وثقها الأطباء مثل:

الولد القرد الذي اكتشف في جنوب أفريقيا عام 1904 (وهو غير طرزان طبعاً).

والولد الفهد الذي اكتشف عام 1920 في الهند وكان يسير على أطرافه الأربعة.

والولد الغزال الذي تم اصطياده في الصحراء السورية عام1946 وكان يتميز بسرعته الكبيرة.

وجوزيف خارنسوف الذي اكتشف في روسيا عام 1997 وتربى بين الكلاب حتى سن الخامسة.

والأختين أمالا وكمالا اللتين اكتشفتا ضمن قطيع من الذئاب في قرية مندابور الهندية.

والفتاة الخنزير التي اكتشفت في سالزبورغ في منتصف القرن التاسع عشر.

أما آخر حادثة فكانت فتاة أوكرانيا التي تربت في قفص للكلاب واكتشفتها الشرطة عام 2007.

مالم أفكر فيه فعلاً هو إمكانية حدوث العكس.. فماذا يحدث مثلاً حين تربي قرداً منذ ولادته مع أطفال من بني البشر؟

هل يصبح أكثر ذكاء؟

هل يكتسب مهارات بشرية؟

هل ينشأ أكثر ذكاءً ورقياً من بني جنسه؟

أسئلة كهذه طافت في رأس الدكتور وينثروب كيلوج عام 1930 فقرر أن ينظم حولها تجربة موثقة.

فهو في الأصل طبيب نفساني مهتم بكيفية تشكل السلوك الإنساني لدى الطفل.. كان مؤمناً أن تفوق الإنسان لا يعود إلى ذكائه فقط بل إلى التصرفات والأخلاق والعادات الاجتماعية المُتعلمة ممن حوله.. ورغم قناعته بأن القردة ليست بذكاء الإنسان إلا أنه أراد اكتشاف إمكانية تعلمها للسلوك الإنساني حين تنشأ بين البشر (وتنفصل عن أبناء جنسها تماماً)…

ولأنه لم يعثر على جهة علمية تمول أبحاثه، ولأن رياض الأطفال التي تواصل معها رفضت استضافة شمبانزي في فصولها، قرر إجراء التجربة في منزله.. وهكذا أحضر قردة حديثة المولد دعاها “جووا” لتربيتها مع ابنهما الرضيع “دونالد”.. وهكذا كان دونالد وجووا يلعبان ويأكلان ويتعلمان مع بعضهما البعض – وينامان في نفس الغرفة، ويلبسان نفس الثياب، وتوجه لهما نفس الأوامر والطلبات.. وكان الدكتور كيلوج يجلس معهما بكثرة، ويراقبهما معظم الوقت، ويختبرهما من خلال خدع تناسب عمرهما الصغير.. وفي الأشهر الأولى لاحظ أن القردة “جووا” أكثر مهارة من “دونالد” في العثور على قطع الحلوى التي يخفيها- وأيضا في الحصول على قطع الكوكيز التي يضعها في مكان مرتفع.. كما لاحظ أن جووا- رغم تعلمها شيئاً من سلوك المائدة – إلا أنها لا تتردد في أخذ طعام دونالد حين ينتهي طعامها..

كما لاحظ أنها أقل استيعاباً لكلامه وتنعدم لديها(بالطبع) القدرة على التعبير كما كان يفعل دونالد- الذي تفوق عليها في التعرف على المكعبات الصحيحة ووضع الأشكال الهندسية في الفراغات المناسبة.

وشيئاً فشيئاً لاحظ كيلوج أن التطور اللغوي لدونالد بدا متخلفاً عن أقرانه من الأطفال.. فقد كان يلجأ إلى الإيماءات والصراخ خلال السنة التي قضاها مع جووا.. وحين شاهده ذات يوم يتحرك ويصرخ كالقرد- ويطلب الأكل بضرب فكيه بسرعة- أدرك أن التجربة بدأت تضر بشخصية ابنه الصغير فقرر إيقافها وأخذ جووا إلى مركز خاص بالحيوانات المشردة.. العجيب أن دونالد كان يفتقدها ويسأل عنها دائماً، في حين ماتت هي بعد ثلاثة أشهر من الحزن والعجز عن التصرف كبقية القرود حولها.

باختصار أثبتت التجربة أنك حين تربي قرداً مع إنسان يصبح الإنسان قرداً (وليس العكس) بدليل النماذج التي تعرضنا لها أعلاه.

بكلام أكثر بساطة؛ احتمال وجود طرزان أكثر واقعية من احتمال وجود سلاحف النينجا.

اترك تعليق