ما اسباب تراجع أعداد المسيحيين في العالم العربي؟

احتفل المسيحيون الذين يتبعون التقويم الشرقي الأحد 8 نيسان/أبريل بعيد القيامة أو ما يطلق عليه أيضا عيد الفصح المجيد. حسب التقاليد المسيحية فإن عيد القيامة الذي يذكر بقيامة المسيح من الأموات بعد الصلب والدفن يعتبر “العيد الكبير” في حين أن عيد الميلاد المجيد الذي يذكر بولادة يسوع المسيح من العذراء مريم في مغارة بسيطة في مدينة بيت لحم يعتبر “العيد الصغير” ولكن تراجع أعداد المسيحيين في العالم العربي أصبح يشكل فرصة للبعض لإهمالهم وإهمال أعيادهم.

وقد شكلت الاختلافات الطائفية معضلة بسبب اعتماد أيام مختلفة لكل من العيدين. فمن يسيرون بحسب التقويم الغربي، أي الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية، يحتفلون بعيد الميلاد في 25 كانون الأول/ديسمبر بينما الكنائس الأرثوذكسية والقبطية التي تعتمد التقويم الشرقي يحتفلون في 7 كانون الثاني/يناير.

أما عيد القيامة فالأمر أكثر تعقيدا حيث يتم تحديد موعده من خلال التقويم القمري الذي يختلف من سنة إلى سنة، ورغم أن الأعياد الشرقية والغربية تختلف فيما بينها إلا أن هذا الاختلاف يختفي مرة كل أربعة أعوام فتعيد جميع الطوائف في اليوم ذاته وهو ما يسمى بالسنة الكبيسة.
هذه الاختلافات تشكل مشكلة لمسيحيي الشرق حيث الغالبية منهم يتبعون التقويم الشرقي رغم أن غالبية مسيحي العالم، فيما يتعلق بالثقافة والإعلام والأجواء الدينية، تحتفل بالأعياد حسب التقويم الغربي. وقد حاول البعض حل هذه الإشكالات من خلال التوصل إلى اتفاق اجتماعي (لا يمكن التوصل إلى اتفاق ديني) بأن يحتفل الجميع بعيد الميلاد حسب التقويم الغربي وبعيد القيامة حسب التقويم الشرقي.
يبدو أن هذه الفوضى في تواريخ الأعياد شكلت مشكلة لحكومة رامي الحمد الله في فلسطين حيث انعقدت حكومته كالمعتاد يوم الثلاثاء 3 نيسان/أبريل ولم تعلن عن عطلة رسمية يوم القيامة (8 نيسان/أبريل) كما ولم يتذكر رئيس الوزراء بأن يقدم التهاني بمناسبة العيد الكبير للمسيحيين والذي يلي سبت النور حيث ينطلق النور المقدس من كنيسة القيامة ويوزع إلى كافة أنحاء العالم.

رئيس اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنا عميرة اهتم بالموضوع وبعث برسالة إلى رئيس الوزراء يوم الأربعاء الماضي فور علمه بتجاهل الحكومة إعلان عطلة رسمية ولكن من دون جدوى وبقي القرار كما هو.

الرئيس محمود عباس أرسل رسالة تهنئة لتقرأ في كنيسة مار يعقوب للروم الأرثوذكس المحاذية لكنيسة القيامة. كما أقر الرئيس من خلال مساعديه أن رئيس وزرائه قد أخطأ. ووافق الرئيس أن يلتقي بوفد من رؤساء كنائس رام الله الذي كان قد أصدر بيانا غاضبا يحتج على إهمال رئيس الوزراء عيدا مهما للمسيحيين وعدم تهنئتهم.

واجتمع الرئيس في وقت متأخر من يوم سبت النور الذي يسبق العيد مع وفد من مجلس كنائس رام الله وهنأهم معلنا أن “الشعب الفلسطيني، يحتفل بأعياده الدينية الإسلامية والمسيحية بشكل مشترك، ويعبر عن مدى الانسجام والمودة بين جميع الطوائف”. كما زار رئيس الوزراء كنيسة الروم الكاثوليك في نابلس لتقديم التهاني ولكن الضرر كان قد تحقق حيث تم انتقاد رئيس الوزراء في العديد من وعظات يوم عيد القيامة في فلسطين.

حنا عيسى، الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس، صرح للإعلام أنه كان من الأجدى بالحكومة أن تعلن عيد الفصح المجيد عطلة وطنية، مشيرا إلى أن الرئيس أعطى قراره العام الفائت للحكومة بأن يتم اعتبار هذا اليوم عيدا وطنيا لكل الفلسطينيين. وقال حنا عيسى: “إن العهدة العمرية هي التي تحكم التعامل المسيحي الإسلامي في فلسطين، والتي كان شعارها (لكم ما لنا وعليكم ما علينا) وهذا يعني أن أعيادنا الدينية هي أعياد وطنية”.
يبدو أن المشكلة تضاعفت بسبب رفض البعض ضرورة تعطيل كافة مؤسسات الوطن بسبب تقلص عدد سكان الفلسطينيين المسيحيين إلى اثنين في المئة من سكان فلسطين حاليا، علما أن المسيحيين في فلسطين والعالم يمثلون 20 في المئة من الشعب الفلسطيني ولكن عددا كبيرا منهم هاجر فلسطين بسبب الأوضاع وبسبب توفر فرص للعيش في الخارج.

الأمر الأكثر خطورة والذي لم يتم الإشارة إليه علنا هو اختلاف وجهة نظر العديد من المسلمين حول موضوع الأعياد المسيحية وخاصة عيد القيامة. فرغم تقبل احتفالات عيد الميلاد والذي يذكر بولادة السيد المسيح في بيت لحم من العذراء مريم والذي تم ذكره في سورة مريم، إلا أن موضوع صلب وقيامة المسيح يشكل نقطة خلاف ديني ولذلك نرى أن معظم الدول العربية والتي تعتبر الإسلام دين الدولة فيها، تتجاهل إعلان عيد القيامة كعيد رسمي بل إن هناك من يتجنبون أو يرفضون معايدة المسيحيين وخاصة بمناسبة عيد القيامة. وينطبق الأمر على مسيحيي العراق ومصر وغيرها من الدول التي ارتفعت فيها هجرة المسحيين، بسبب عدم الاستقرار، الأمر الذي استغله البعض.

إن اعتبار يوم أحد القيامة ـ عيدا رسميا أم لا ـ ليس بالأمر الهام بحد ذاته لكن المشكلة الأكبر تكمن في نظرة المسؤول الحكومي لمن هم أبناء شعبه. فموضوع الدولة المدنية يبرز مرة أخرى في نقاش مثل نقاش ما جرى في فلسطين لتسلط الضوء على ضرورة احترام مبدأ المواطنة والتي تشكل أساس التعامل مع الجميع بدون تمييز على أساس عرق أو جنس أو دين.

اترك تعليق