خبراء يستبعدون فرضية عدم تأثر الطبقة الوسطى بالزيادة المرتقبة على ضريبة الدخل

يستبعد خبراء ومسؤولون سابقون، فرضية عدم تأثر الطبقة الوسطى بالزيادة المرتقبة على ضريبة الدخل، مطالبين الحكومة بالبحث عن بدائل تقلل من تأثيراتها، وإعادة النظر في إدارة الملفات الاقتصادية، وانتهاج برنامج وطني من شأنه أن يحافظ على هذه الطبقة التي تعد العمود الفقري الأساسي لبنية أي مجتمع سواء اقتصاديا أو اجتماعيا أو أخلاقيا.
ويشير البعض الى أن تحقيق ما ينادي به جلالة الملك بحماية الطبقة الوسطى يحتاج لنهج وفكر وإدارة مختلفة عبر “برنامج وطني اقتصادي واجتماعي” من شأنه أن يحافظ على هذه الطبقة.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني، أكد في مقابلة صحفية مؤخرا، أنه قام بتوجيه الحكومة “بدعم وحماية الطبقة الوسطى وفئات الدخل المحدود”، وأن يكون “الهدف الاستراتيجي للحكومة حماية وتوسيع الطبقة الوسطى”.

وقال جلالته “إن أكثر من ستة ملايين مواطن أردني هم أولويتي، ظروفنا الاقتصادية صعبة، ولكن واجبنا أن نحميهم وأن نحمي ذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى، فإذا استطعنا اتخاذ خطوات مدروسة وتجاوزنا ما يواجهنا اليوم من صعوبات، فسنكون في وضع يسمح لنا بالبناء لما هو أفضل لاحقا”.
وتشكل الطبقة الوسطى، وفقا لإحصائيات تعود الى العام 2010، حوالي 29 % من المجتمع، وهي نسبة قليلة اذا ما قورنت بالعام 2008؛ حيث كانت تقدر بـ41 %، وأعلنت هذه الأرقام عندما كانت نسب الفقر قد قدرت في الفترة ذاتها (2010) بحوالي 14.4 %؛ حيث كان توقف خط الفقر المطلق عند حاجز 813.7 دينارا سنويا للفرد (68 دينارا شهريا).
الوزير الأسبق، الدكتور عاكف الزعبي، أشار الى أن الحكومة اليوم تواجه “ظرفا استثنائيا”، ولا بد أن تقوم بسد عجز الموازنة، وهي ترى أن الخيار الأسرع والأسهل لزيادة إيرادات الموازنة أن تقوم برفع ضريبة الدخل.
إلا أن الزعبي يرى أن المهم اليوم هو أن لا تلجأ الحكومة لرفع ضريبة المبيعات، خصوصا وأنها مرتفعة، ويدعو الى ضرورة التركيز على الضرائب الأخرى كضريبة أرباح الشركات.
كما يؤكد ضرورة تحسين الأداء المالي والإداري لثلاث دوائر رئيسية هي: ضريبة الدخل، والجمارك، والأراضي والمساحة. بحيث يتم زيادة التحصيل الضريبي وتقليص “التهرب الضريبي”.
كما يقترح الزعبي بأن تذهب الحكومة إلى تخفيض الإنفاق الرأسمالي من 10 % الى 20 %، وذلك يعني أن الحكومة قد تتوقف عن تقديم بعض الخدمات كالطرق والمدارس وغيرها، لكنها تبتعد في الوقت ذاته عن بند زيادة الإيرادات من خلال الضريبة.

ويلفت الزعبي الى أن هناك مشكلة لدى الحكومة تتلخص في تركيزها على ضريبة الأفراد الموظفين على حساب الأفراد غير الموظفين من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم؛ حيث من السهل حصر رواتب الموظف أكثر من غيره من الأفراد في القطاعات الأخرى.
لذا يرى الزعبي ضرورة التركيز على فئة الأفراد من غير الموظفين، ومن ضمنها زيادة الضرائب على أرباح الشركات بدلا من الموظف، موضحا أن ضريبة الأفراد تأتي للحكومة بـ80 مليون دينار، في حين أن ضريبة الشركات تأتي بحوالي 800 مليون دينار للخزينة.
ومن الممكن زيادة إيرادات الدولة من هذه الضريبة فقط لتصل الى 1.6 مليار دينار إذا تمت زيادة الضريبة وتحسين التحصيل الضريبي من الأفراد “غير الموظفين”، بحسب الزعبي.
ويضيف الزعبي: “تأثر الطبقة الوسطى يعني تأثر الاقتصاد الكلي والنمو الاقتصادي؛ حيث إن تأثرها ينعكس على الطلب الكلي وبالتالي النمو، ثم إنه يؤثر على الادخار في المدى البعيد، وبالتالي على نمو قطاع المشاريع الصغيرة المتوسطة”.

يشار هنا الى أن البنك الدولي كان قد أشار مؤخرا إلى أن نسبة الفقراء في الأردن “منخفضة”؛ حيث تبلغ حوالي 14 %، ولكن ثلث السكان معرضون للوقوع فيه خلال سنة؛ إذ يؤثر ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل بشكل كبير على الخُمس الأدنى من الأُسر المعيشية.
كما كان البنك قد أشار الى ظاهرة “الفقر العابر”؛ حيث بين أن ثلث سكان المملكة عاش دون خط الفقر، أقّله خلال ربع واحد من أرباع السنة.
بمعنى آخر، 18.6 % من مجموع السكان الذين لا يُصنّفون كفقراء، بحسب تقديرات الفقر السنوية، اختبروا الفقر خلال فترات معيّنة، وهذا ما يسمى بـ”الفقر العابر”؛ حيث إن هؤلاء منتمون الى الطبقة الوسطى لكنهم ينزلقون إلى الفقيرة خلال فترات من السنة.

الوزير السابق، ماهر المدادحة، يرى أيضا أن الحكومة مضطرة لهذا الخيار، وهو يؤكد أن تأثر الطبقة الوسطى لن يكون بذلك الحجم في حال كانت النسب المتداولة كما هي، مشيرا الى أن الطبقة الوسطى العليا هي من سيتأثر بهذه النسب أكثر من الوسطى الدنيا التي لن يطالها التعديل.
ويؤيد المدادحة زيادة الضريبة؛ حيث يرى أنه لا بد من معالجة الاختلالات الضريبية وإعادة هيكل الضريبة الذي يعد المصدر الوحيد للدولة لتعزيز دورها في تقديم الخدمات ودفع الرواتب.
ويلفت إلى أن الحكومة ليس لديها خيارات كثيرة، إلا أن تقوم بتوسيع القاعدة الضريبية، وخصوصا بزيادة الشرائح التي تدفع الضرائب بالتركيز على المتهربين ضريبيا وغير المسجلين لأعمالهم الفردية التي لا بد أن تدفع الضرائب، مؤكدا أن توسيع القاعدة الضريبية لا بد أن يكون من خلال تحسين الرقابة الضريبية وشمول عدد أكبر للأفراد غير الموظفين أي الوصول الى كل المكلفين.
وزير الاقتصاد السابق، سامر الطويل، يرى أن الضرائب من شأنها أن تؤثر على الطبقة الوسطى، مشيرا الى أن سياسة الحكومة التي لا تحافظ على هذه الطبقة وتزيد حجمها.

ويرى أن الأردن كغيره من الدول التي طبقت برامج صندوق النقد الدولي بدون أن يكون لديها “برنامج وطني يراعي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة”.
ويقول: “بما أن التفكير مالي في أي سياسة تتبعها الحكومة بعيدا عن الجوانب الأخرى، ستتآكل الطبقة الوسطى وتنحدر الى الطبقات الأفقر”.
ويؤكد أن تحقيق ما وجه به جلالة الملك لا يمكن أن يتم إلا بنهج وفكر وإدارة مختلفة من شأنها أن تأخذ بعين الاعتبار الجوانب المختلفة للمجتمع، لا سيما الطبقة الوسطى التي تعد في كل المجتمعات صمام الأمان وعماد الدولة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.- الغد

اترك تعليق