“جمهورية” العصابات في الأردن.. دولة موازية

لم تكن رحلة موقع “جيل” سهلة بالمرّة؛ وهو يغوص في تفاصيل ما بات يطلق عليه في كثير من وسائل الإعلام الأردنية ومواقع التواصل الاجتماعي، بـ”العالم السفلي”، لنعثر فعلًا على “محاكم مخفية غير قانونية”، يتزعّمها أصحاب سوابق، نصّبوا أنفسهم قضاة على الجميع، ثم أطلقوا أيديهم في المجتمع، بدلًا عن الآلة التنفيذية في الدولة، وكل ذلك، بغية تحصيل حقوق، من وجهة نظرهم، كان تعرّض أصحابها في سبيلها للنصب والاحتيال، وبات استرجاعها قانونيًا، أمرًا شبه مستحيل.

زعماء هذا العالم المخيف، وهم المعروفون جيّدًا عند الجهات الأمنية والرسمية الأردنية، باتوا في الآونة الأخيرة، يجاهرون فعليًا بنشاطاتهم غير القانونية، مستعدون لتنفيذ الأوامر بلا تفكير أو تردّد، ويتعارفون بميثاق “شرف”، بقصد التعاون بينهم، رافضين إطلاق وصف “بلطجية” أو “فتوات وأصحاب خاوات” عليهم.

وما دفع بنشاطهم الإجرامي إلى الواجهة هذه المرّة، قصّة الفتى الأردني المغدور، فادي الخلايلة، التي تحوّلت إلى خلطة شعبية، أفزعت المجتمع والدولة، بعد بروز حقيقتهم المفجعة، التي طالما تمّ إنكارها أو تجاهلها، أو المبالغة في التخفيف من تأثيرها.

بدأت القصّة، وفق ما أكدته لـ”جيل”، شهادات بعض سكان بلدة عوجان في محافظة الزرقاء (شمال شرق العاصمة عمّان)، بعد خلاف نشب بين “بلطجي”، وأحد أصحاب السوابق، ليقوم الأخير برفقة بلطجية آخرين، باقتحام منزله، فلم يجدوه، ليستفردوا بزوجته وابنته الصغيرة، فيعمدوا إلى قذف “ماء النار” على وجهيهما، ما أدى لإصابتهما بشكل بليغ.

فما كان من الضحية، فادي، وهو شقيق الزوجة، سوى التوجّه إلى حفلة زفاف، كان يحضرها المشتبه به، والملقب بـ”ركس”، ولدى محاولته الانتقام، حوصر من أفراد عصابة البلطجي، وضربوه وقطعوا يده بسكين حاد، وعندما ترنح على الأرض، أطلقوا عليه عدّة رصاصات، وأردوه جثة هامدة.

خبراء اجتماعيون وأمنيون، منهم عالم الاجتماع، حسين خزاعي، رأوا أن ما حصل، أكبر بكثير مما توقعه الجميع، فالحديث هنا عن عصابات منظّمة، تملك قوّة ردع وتشبيح، ولديها صلات فيما بينها، وتتقاسم مناطق النفوذ، في ظاهرة نمت وترعرعت وسط تقصير أمني واضح، لم يعد السكوت عليه مفيدًا أو منتجًا.

جرائم عالم البلطجية والزعران، لم يعد سرًا، وأصبح معروفًا أيضًا، فإن عناصر هذه الشبكات من البلطجية، لديهم صلات هنا وهناك، وشبكات وتقاليد وأعراف وتقنيات اتصال، وبيوت آمنة، وقوانين وأنظمة خاصّة بهم، وملاذات يهربون إليها، فليس سرًا، أن السلطات الأمنية تعرف ذلك جيّدًا، بحسب الكاتب بسام بدارين.

“الظاهرة تحوّلت إلى مركز قوّة في المجتمع.. يدير إمبراطورية من الابتزاز المالي، ومصالح البزنس، والخدمات البديلة”، بحسب شهادة شاب ثلاثيني رفض ذكر اسمه، كان ناشطًا فعليًا في هذا العالم الإجرامي، وفي محافظة الزرقاء أيضًا، قبل أن ينسحب، يؤكّد في حديث إلى “جيل”، أن الصمت الرسمي والحكومي، أعطى بصورة غير مباشرة، الضوء الأخضر لكثير من الأفعال الخارجة عن القانون.

ويعتقد هذا الشاب، أن “نمو ظاهرة البلطجة الآن في الأردن، لا تقل خطورة عن خلايا الإرهاب النائمة، التي تتربّص اليوم بأمن الدولة والنظام والقانون، بقدر ما تتربّص بأمن المجتمع”.

أحد جيران الضحية الخلايلة، كشف لـ”جيل”، اللثام عن أفواه المواطنين، مؤكدًا أن غالبية الناس، تعرف جيّدًا، أن نسبة كبيرة من أعضاء مجلس النواب الأردني، يلجؤون للبلطجية والزعران في حملات الانتخاب، لتمارس نفوذها الإجرامي على الشعب والدولة، فتصير عصابات البلطجية، قوةّ فاعلة في جمع الأصوات، بالعنف القسري لمصلحة المرشّح الذي يدفع أكثر.

عدد من المواطنين الأردنيين، كشفوا لـ”جيل”، أن كثيرًا من المتضرّرين في قضايا منظرة أمام المحاكم، لجؤوا إلى استخدام أرباب سوابق وبلطجية، لتحصيل حقوقهم بالسرعة الممكنة، بعيدًا عن الآليات القانونية والقضائية المعروفة، حتى أن موظفين كبارا ورجال أعمال وشخصيات عامة، لجؤوا أيضًا في بعض القضايا، لاستئجار شبكات البلطجة، لأن القانون في اعتقادهم، لم ينصفهم.

وما يزيد من الأمر سوءًا، “أن بعض الأجهزة الحكومية الأمنية، وجدت ضالتها في قطعان الزعران والبلطجية خلال موجات الربيع العربي، كي تتصدّى للمعارضين المطالبين بالإصلاح في الأردن”، كما يشير إلى ذلك مراقبون ومتابعون.

نشطاء في الحراك الشعبي الأردني سابقًا، فضّلوا عدم ذكر اسمهم أو هويتهم، بينوا في حديث إلى”جيل”، ما أسموه بـ “التواطؤ” من جانب الدولة على تجاوزات هؤلاء البلطجية، أثناء أي نشاط إصلاحي، في السابق أو الحاضر، تجري في ظل التغطية الرسمية لأعمالهم اللا أخلاقية.

فـ”حالات الاعتداء على المطالبين بالإصلاح، وشتمهم بأقذر العبارات، تمّت وتتم دون إحالة أي شخص منهم إلى القضاء”، يقول هؤلاء النشطاء، مؤكّدين أن الحال وصلت لدرجة هدر هيبة الدولة، من خلال قطع الطرقات، وحرق الممتلكات العامة والخاصّة، وتعطيل المصالح الخاصّة والمشاريع المهمة، ليستمرّ رضوخ الدولة وأجهزتها المختلفة، لأولئك الخارجين عن القانون، بل ويتمّ الإفراج الفوري عنهم في كل مناسبة.

ويستذكر هؤلاء، ما حل بمئات الشباب الذين اعتصموا عام 2011، على دوار الداخلية الشهير، تحديدًا ميدان جمال عبد الناصر، وسط العاصمة عمان، من اعتداءات بالحجارة والعصي والهروات، من قبل “بلطجية”، أوقعت بينهم أكثر من 100 إصابة، رغم إغلاق قوات الدرك الأردنية حينها الطرق المؤدّية إلى الميدان، إلا أن متسلّلين من البلطجية اخترقوا جميع الجهات على مرآى من الأمن.

يومها، سيطر البلطجية على جسر مطلّ على ميدان الداخلية، كما اعتلوا أسطح العمارات المحيطة بالميدان، وألقوا الحجارة على الشباب العزّل، وحصل كل ذلك، وقوّات الأمن والدرك تراقب الموقف دون أن تتدخّل، لتتطوّر الأحداث لاحقًا، فتتدخل قوّات الدرك لفض الاعتصام بالقوّة، مستخدمة الهراوات وخراطيم المياه لتفريق المعتصمين، ما أوقع الإصابات بين الشباب وهُدمت خيمهم.

من جهتها، تنفي على الدوام، “مديرية الأمن العام الأردني”، أن نشاط “البلاطجة” في الأردن، قد تحوّل إلى “ظاهرة”، مؤكّدة في الوقت ذاته، أن هذه النشاطات الإجرامية، موجودة بالفعل، وما يزيد من اتساعها، هو ضعف تقديم شكاوى من قبل المتضرّرين.

وتعلن الأجهزة الأمنية باستمرار، عن “تنفيذ حملات نوعية لإلقاء القبض على أصحاب السوابق، بعد ورود شكاوى حول سلوكيات هؤلاء، معلنة عن إلقاء القبض على العشرات من هؤلاء”.

كامل لطفي

اترك تعليق