لا حاجة للسفر من أجل إجراء جراحة، الواقع المعزز سيحضر الطبيب إليك

يستلقي الشاب فضل حاتم ابن الثمانية عشر عاما على سرير غرفة العمليات الجراحية في أحد مستشفيات غزة، ومن بيروت، وعلى بعد 322 كم، يقود غسان أبوستة رئيس قسم الجراحة الترميمية في الجامعة الأميركية، عملية إعادة ترميم يد الشاب.

في وقت سابق وأثناء معاينة فضل لجسم معدني غريب وجده في حقل قريب من بيته، انفجر الجسم ومزق يده اليمنى. في حينها تمكن الأطباء من إنقاذ حياته وإغلاق الجراح لوقف النزيف، ولكنه أصبح مشلولا وفقد القدرة على تحريك أصابع يده.

يجلس الدكتور أبوستة على مكتب في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت وأمامه كمبيوتر محمول من خلاله يشاهد فيديو يبث مباشرة من كاميرا مسلطة على يد المريض، خلال إجرائه محادثة بالصوت والصورة مع الدكتور حافظ أبوخوصة وباقي فريق الجراحة في غزة.

وأبوستة من أكثر الجراحين خبرة ومهارة في مجال عمليات ترميم وتجميل الأعضاء التي تتعرض إلى إصابات جسيمة أثناء الحروب، وهي خبرة لا تتوفر دائما في بلدان كثيرة حول العالم.

ويتابع أبوستة العملية فيرسم بقلم على شاشة جهازه فوق الفيديو لمسرح العملية الجراحية في غزة، ويؤشر للطبيب في غزة على المكان الصحيح على يد الشاب، وباستخدام المشرط يشق الطبيب يد الشاب في المكان والشكل المطلوب متتبعا حركات أبوستة، وهكذا حتى نهاية العملية الجراحية.

كان هذا بفضل تقنيات الواقع المعزز، نفس التقنيات المستخدمة في لعبة بوكيمون غو التي شغلت الملايين والإعلام عام 2016، والآن أصبحت توظف في عمليات الجراحة عن بعد.

جراحة ممكنة

ينتابك شعور وأنت تشاهد فيديو العملية الجراحية الذي صور في بيروت وغزة، أن الأمر عادي ولا يتعدى كونه تقنيات متوفرة في كل مكان، وهذا في الأغلب صحيح، كاميرات وشاشات وميكروفونات وخط إنترنت، بالإضافة إلى تقنيات الواقع المعزز، كل هذا يمكن الجراح في بيروت من مشاهدة المريض في غزة فيرسم فوق الشاشة على جسده، ويظهر الرسم على شاشة أخرى أمام الجراح الممسك بالمشرط في غرفة العمليات في مكان يبعد المئات من الكيلومترات. وأصبح هذا ممكنا من خلال منصة إلكترونية تسمى “بروكسمي Proximie”.

و”بروكسمي” هي منصة تجمع وتزاوج بين تقنية الواقع المعزز وتقنيات كثيرة أخرى مثل مكالمات الفيديو عبر الإنترنت التي باتت في متناول أغلب الناس تقريبا، وبرمجيات السحابة الإلكترونية التي تمكن المستخدم من تشغيل المنصة والاستفادة من تقنياتها دون الحاجة لإمتلاكه جهاز كمبيوتر مخصص وغالي الثمن، فيمكن العمل من خلال “بروكسمي” من أي جهاز كمبيوتر أو هاتف ذكي أو أيباد، ما دامت هذه الأجهزة تحتوي على الحد الأدنى من التجهيزات.

واستغرق تطوير منصة “بروكسمي”، التي دشن العمل بها في مايو عام 2016، عامين كاملين كما قالت لي عبر الهاتف أحد الشركاء المؤسسين الدكتورة نادين حرم.

ونادين حرم لبنانية الأصل ومقيمة في لندن، وقد عملت مع مهندس الاتصالات طلال أحمد المقيم في مدينة بوسطن في الولايات المتحدة على تطوير وبناء “بروكسمي”.

وتقول حرم إنهم باستعمال غزة كنموذج في العملية الجراحية التي شاهدتها، أرادت هي وفريقها أن يثبتوا إمكانيات منصة “بروكسمي” وقدرتها على العمل حتى في ظروف صعبة مثل ساحات الحروب والنزاعات التي قد لا تتوفر فيها إمكانيات وأجهزة متطورة وخطوط إنترنت سريعة.

هناك حوالي خمسة مليار إنسان في العالم لا يستطيعون الحصول على الجراحة التي قد يحتاجونها، إذ يتركز الجراحون المتخصصون في مناطق وبلدان بعيدة.

وتقول حرم إن “مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت لديه مجموعة من أفضل الجراحين في مجال الجراحة التجميلية والترميمية في المنطقة، ويمكنهم الآن من خلال منصة بروكسمي تقديم الاستشارات لزملائهم في مناطق أخرى دون تكبد عناء السفر وكلفته المادية المرتفعة”.

ويتبادل المئات من الأطباء في مناطق مختلفه حول العالم منذ تشغيل منصة “بروكسمي”، الخبرات الطبية الجراحية.

وتقول حرم إن “الجراحين، ومن خلال معرفتهم الشخصية بخبرات بعضهم البعض، يقومون بطلب المساعدة بشكل مباشر ويتعاونون من خلال منصة بروكسمي، وفي المستقبل القريب ستوفر المنصة إمكانية الإعلان عن الحاجة لخبرات أو استشارات في حالات صعبة، يقوم الخبراء بمعاينتها وعرض خبراتهم ومهاراتهم للمساعدة، وبالتالي سيكون بالإمكان مساعدة مرضى محتاجين في أماكن بعيدة كان من الصعب الوصول إليهم في الوقت المناسب سابقا”.

كنت أستمع عبر الهاتف للدكتورة نادين حرم، وهي تجيب على أسئلتي وتشرح لي بحماس كيفية عمل منصة “بروكسمي”، وقد كان ذهني مشغولا بكل ما قرأت وتابعت عن مستقبل قريب تقوم الروبوتات وبرامج الذكاء الصناعي فيه بإجراء بعض العمليات الجراحية أو مشاركة الأطباء البشر في القيام بها.

نادين حرام: منصة بروكسمي لجراحة الواقع المعزز تستخدم من قبل المئات من الجراحين وطلاب الطب والشركات الطبية

وسألت الدكتورة نادين عن خططهم المستقبلية في هذا المجال فأجابت “عيوننا على المستقبل، وندرك التطورات المستقبلية في مجال التعلم الآلي للروبوتات وبرامج الذكاء الصناعي. منصة بروكسمي عبارة عن منصة مبنية من وحدات يمكنها الاتصال مع برمجيات أخرى ويمكن إضافة وحدات جديدة مع الوقت”.

في المستقبل القريب، قد يُستبدل الطبيب في غزة بروبوت لديه ذراع أو أذرع مزودة بكل الأدوات الجراحية اللازمة يتحكم به من بيروت غسان أبوستة أو أطباء آخرون من أماكن مختلفة حول العالم، وقد يبدو هذا خيالا علميا، ولكننا سنراه يحدث قريبا.

وقد يحدث العكس أيضا، إذ من الممكن أن تتم الاستعانة ببرنامج ذكاء صناعي ليقوم بمهام الخبير في بيروت ويعطي تعليمات وإرشادات لجراحين آخرين في أماكن بعيدة، بل سيتمكن من تحريك روبوتات جراحية في مكان آخر.

وتقوم شركة “آي بي إم” بالتعاون مع آخرين بتطوير برنامج الذكاء الصناعي “واتسون” ليقوم بمثل هذه المهام.

وتكلفة تدريب طبيب جراح واحد على استخدام البرنامج عالية جدا وتستغرق زمنا طويلا ولن يتمكن من الخدمة طوال العمر، كما لا يمكنه التواجد في أكثر من مكان في آن واحد، وحتى إن توفرت منصة مثل “بروكسمي” فلن يتمكن من المساعدة في أكثر من عملية جراحية في آن واحد.

وفي المقابل، تدريب برامج الذكاء الصناعي تراكمية ويمكن نقلها من برنامج إلى آخر. ومن الناحية النظرية يمكن تطوير برنامج واحد يتحكم بعدة روبوتات آلية في أماكن مختلفة حول العالم تقوم بعدة عمليات جراحية في نفس الوقت.

ويمكن لمنصة مثل “بروكسمي” تخزين صور وفيديوهات العمليات الجراحية التي تجرى من خلالها، بالإضافة إلى تفاعل الأطباء ومحادثتهم وأيضا كل الملفات الطبية الخاصة بالمريض وحالته وتشخيص مختلف الأطباء والمختصين، مع الوقت هذا سينتج كما هائلا من المعلومات التي يمكن أن تكون متاحة لبرامج ذكاء صناعي ذاتية التعلم لكي تتعلم منها وتقارن بينها.

وقالت نادين حرم إن “هناك العشرات من طلاب الطب الذين يمكنهم استخدام منصة بروكسمي لمشاهدة العمليات الجراحية والتفاعل أثناءها والتعلم من الأطباء الجراحين”.

السهل الممتنع

تقول دراسات متخصصة إنه مع تصاعد أعداد السكان حول العالم، سيكون هناك نقص في أعداد الجراحين وحاجة ماسة لتدريب حولي 1.27 مليون متخصص مع حلول عام 2030. وقد تساعد “بروكسمي”، إلى جانب حلول أخرى قادمة، بعد دمجها ببرامج الذكاء الصناعي والروبوتات، ليس فقط في تدريب مثل هذه الأعداد وتأهيلها بل في تقديم رعاية طبية أكثر جودة من أي وقت مضى.

ويجري التطور في المجال الطبي بوتيرة عالية، كل يوم هناك اكتشاف جديد وأداة جديدة يتم تطويرها من قبل شركات طبية.

قالت حرم إن “منصة بروكسمي، بالإضافة إلى استخداماتها في العمليات الجراحية وتدريب طلاب الطب والجراحة، يمكن استخدامها من قبل الشركات الطبية في عملية تسويق المعدات التي تبيعها وأيضا في تدريب الأطباء على كيفية استخدامها دون الحاجة لسفر ممثلي هذه الشركات لمسافات بعيدة”.

وشركة “بروكسمي” ومنصتها لجراحة الواقع المعزز إضافة مهمة في ثورة التقدم التكنولوجي التي تحدث حول العالم، تقنيات وإمكانيات كانت من تخصص الخيال العلمي في السابق أصبحنا نراها الآن ونسمع عنها تطبق في الكثير من مجالات الحياة العادية، أغلب الناس لم يسمعوا قبل لعبة بوكيمون غو عن تقنيات الواقع المعزز، والآن أصبحنا نرى تطبيق مثل هذه التقنيات في حياتنا اليومية.

وستكون للواقع المعزز تطبيقات كثيرة في حياتنا اليومية، تقنيات تجعلنا نشاهد طبقة من المعلومات والصور ثلاثية الأبعاد نراها تتحرك في مجال رؤيتنا للعالم الواقعي، إما أن توضع أمام أعيننا على شاشة نحملها وإما من خلال نظارات مخصصة نلبسها، فنرى هذه المجسمات والرسومات تختلط بعالمنا الواقعي وتعزز من معلوماتنا عنه.

يمكنك مثلا تشغيل كاميرا هاتفك على شاشته لتشاهد ما تلتقطه الكاميرا بالاضافة إلى معلومات ورسومات يضيفها برنامج ذكاء صناعي أو شخص آخر متواجد في مكان آخر، كما فعل الدكتور غسان أبوستة، هذه المعززة للواقع قد تكون لهدف الترفيه أو التعلم وقد تكون لها تطبيقات عملية كثيرة لا تقتصر على العمليات الجراحية، مثلا شرح كيفية إصلاح عطل في سيارة أو في المنزل.

كم هو جميل “السهل الممتنع″ ورائع عندما تصادفه في النصوص الأدبية، وأكثر جمالا وروعة عندما تشاهده في الحلول التقنية مثل منصة “بروكسمي”، فغالبا الحلول الأكثر إبداعا والأنجح والأسرع انتشارا تكون من هذا النوع.

حلول تقدم أعظم الفوائد للناس وتكون نتيجة التقاء وتزاوج تقنيات وأدوات مختلفة متوفرة بكثرة، اختراعات عظيمة بحد ذاتها ولكنها تصبح أعظم وأكثر فائدة إن اجتمعت مع غيرها في تقنية جديدة، وعندما توضع في أياد بشرية ماهرة يكون بإمكانها سد فراغ حقيقي وتلبية احتياجات ملحة للناس وخصوصا أولئك الأقل حظا حول العالم.

ومع انتشار التقنيات والاختراعات الحديثة، ينتشر القلق من مستقبل قاتم وتنبؤات بخسارة الملايين من البشر لوظائفهم ومراكز دخلهم، هذا وارد جدا وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمهن ووظائف روتينية تعتمد تكرار نفس المهمة بنفس الطريقة.

ولكن الصورة ليست قاتمة، فكما نرى من منصة “بروكسمي” والكثير من الحلول والتقنيات الحديثة، هناك فرص كثيرة وعديدة لدمج تقنيات مختلفة وإبداع حلول وخدمات لم تكن متوفرة من قبل ولا توفرها تقنية واحدة على انفراد.

اقرأ ايضاً

اترك تعليق