تحقيق.. منتحلو صفة رجال أمن يحتالون على وافدين

عمان- لم يتبق من راتب حارس العمارة المصري ماجد، سوى بضعة دنانير، بالكاد تكفيه حتى نهاية الشهر لشراء قوته اليومي، بعد أن تعرض لعملية احتيال “احترافية”، من أشخاص ادعوا أنهم من “إدارة مكافحة المخدرات”، بحسب تحقيق نشرته صحيفة الغد.
كانت لحظات صعبة بالنسبة للأربعيني ماجد، الذي وجد نفسه بغتة، وسط أجواء أمنية تتخللها أصوات أجهزة لاسلكية، حين طلب منه أشخاص بلباس مدني هويته ومحفظته وسجائره، فقام مسرعا بإخراج كل ما في جيبه، ومنها راتبه الشهري البالغ 160 دينارا، وأوراق مدونة عليها طلبات سكان العمارة وعلبة سجائر وولاعة.
وغاب عن ماجد (اسم مستعار)، أن يتأكد من أن هؤلاء ينتمون إلى “مكافحة المخدرات” لا سيما عندما فتش المحتالون باحتراف في علبة السجائر وأعقابها، وثنايا محفظته المهترئة وما بينهما، للكشف عن المخدرات، ثم قالوا إنها “فارغة من أي مادة مخدرة”، ومع ذلك طلبوا من ضحيته بعد أن رموا المحفظة والأوراق في وجهه أن “يراجع مديرية المكافحة في منطقة العبدلي الأسبوع المقبل”.
وكان جُل ما تركه المحتالون لماجد بضعة دنانير وأوراقه المبعثرة على جانبي شارع فرعي في منطقة خلدا في عمان الغربية، فلم يملك إلا أن يمسح عن وجهه علامات القهر والحزن بعد أن “فوض أمره إلى ربه” بأنه لن يتمكن هذا الشهر من إرسال مصروف عياله في صعيد مصر، الذي ينفقه على تعليم ابنته الجامعية وأطفاله الصغار في المدارس.
والعامل ماجد هو واحد من بين عشرات العمال الوافدين الذين يتعرضون لأنواع مختلفة من عمليات النصب والاحتيال من أشخاص امتهنوا هذا العمل، مستغلين خوف الضحايا من تسجيل شكواهم في المراكز الأمنية أو جهلهم بتعليمات مديرية الأمن العام بـ”ضرورة طلب هوية أي شخص يدعي أنه رجل أمن قبل التعامل معه”، وسط قصور رسمي بتوفير حماية لهم وفق معايير حقوق الإنسان.
في نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي، تكررت حادثة الاحتيال ذاتها مع الثلاثيني فارس العامل في “كافيه ومطعم” في منطقة الجاردنز، والذي اعتاد أن يصل صباحه مع ليله ليشعل الفحم ويضبط مزاج رواد المقهى طمعا في راتب شهري لا يتعدى 250 دينارا، وقد يصل أحيانا الى 320 دينارا مع “إكراميات” الزبائن.
ويعيش فارس مع 10 من زملائه المصريين في غرفتين وصالة بإيجار شهري يبلغ 400 دينار في ضاحية الرشيد، يتقاسمون معا مرّ الغربة عن بلدهم لتحسين أوضاعهم الأسرية في ريف مصر.
واقتطع زملاء فارس من العمال مبلغ 20 دينارا من راتبهم ليتمكن من استكمال تفاصيل حياته المعيشية والأسرية في عمان.
ولم يصادر المحتال الذي عرف بنفسه أنه من “دائرة البحث الجنائي” نقود فارس وجهازه الخلوي فحسب، بل صادر معه أحلام عائلته في مصر التي كانت تنتظر بفارغ الصبر هذه الأموال لعلاج والده الطاعن في السن من مرض عضال.
وتلقت جمعية الصداقة المصرية الأردنية شكاوى عدة من عمال وافدين تعرضوا لحالات احتيال ونصب، بخاصة في مناطق الأغوار وبعض المناطق “العمانية” ومدينة الرصيفة بشكل خاص، حسب رئيسها ثروت دويدار الذي يقيم في الأردن منذ 38 عاما.
ولفت إلى أن أغلب العمال من فئة غير المتعلمين، يعملون في قطاع البناء والزراعة، وعلى الرغم من أنهم يسهمون في التنمية الاقتصادية المحلية، لكن بعضهم يتعرض لصعوبات عديدة حين يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم، بسبب الخوف من الجهات الأمنية بشكل عام، واختلاف الثقافة المجتمعية بين البلدين.
وأكد دويدار، أن الجمعية تقوم بدورها في تقديم الدعم النفسي لهم وتوعيتهم وتثقيفهم حول ما يتعرضون له من مشاكل وآلية حلها، فضلا عن تواصلها مع السفارة المصرية في الأردن إن تطلب الأمر ذلك.
ورغم ذلك، بحسب دويدار، فهناك صداقة تجمع بين الشعبين، إذ تلجأ الجمعية بإمكاناتها المالية المتواضعة، إلى حل مشاكل الجالية المصرية، إما عن طريق علاقاتها الشخصية مع عدد من الأردنيين الداعمين، أو بعض مؤسسات المجتمع المدني القانونية، للترافع عن بعضهم مجانا في ظل ارتفاع أتعاب المحامين.
قصور في حماية العمال الوافدين
يعتبر العمال الوافدون من الفئات المستضعفة في المجتمعات العربية، وفق تصنيفات منظمات حقوق الإنسان، ما يتطلب من الدولة المستضيفة لهم توفير الحماية والتمكين معا، وفق الخبير في مجال حقوق الإنسان رياض الصبح.
وحول آلية توفير الحماية للعمال من قبل المملكة، يقول الباحث الصبح، إن القانون “يعاقب أي منتهك للقانون بصرف النظر عن جنسيته، والقضاء مفتوحة أبوابه للجميع، غير أن هذا لا يكفي أحيانا، بسبب ضعف أوجه الحماية لهم.
ومن أهم أوجه قصور الحماية، حسب الصبح، “عدم وجود تمثيل نقابي للعمالة الوافدة، رغم أن قانون العمل منحهم حق العضوية وليس التأسيس، كما أن اتحاد العمال الأردني العام لا يعطي أولوية لهذه الفئة المستضعفة في تبني قضاياهم ومتابعتها”.
ويضيف: “أما بالنسبة إلى مفهوم التمكين، فإنه يتمثل بتوفير الدولة المساعدة القانونية المجانية لهم، في ظل ارتفاع تكاليف المحامين، التي قد تستنزف جيوبهم في حال توكيلهم للدفاع عن قضيتهم، وتقويض دور منظمات المجتمع المدني للمساعدة القانونية، التي باتت الدولة بين فترة وأخرى تضيق الخناق عليها، ما أسهم في تخفيض خدماتها القانونية المجانية لهذه الفئات الضعيفة”.
ويتابع: “في ظل صعوبة التواصل مع الفئات الضعيفة من العمال الوافدين، فإن ظاهرة الاحتيال تتعاظم، ويعود ذلك إلى عدم وجود مظلة ينضوون تحت لوائها، ومنها الاتحادات النقابية التي تقوم بتوعية وإرشاد هذه الفئات بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، وتفادي التحديات التي تواجههم في مجتمع جديد على ثقافتهم”.
ورغم أن عدد الجالية المصرية يعد الأكبر في الأردن، ويشكل ما نسبته 65 % من العمالة الوافدة، إلا أن هناك عوائق تحول دون تقديم شكاوى بحق انتهاك حقوقهم والتحايل عليهم، من أهمها “خوفهم من الجهات الأمنية والرسمية، بمن فيهم الحكام الإداريون، إضافة إلى عوائق ثقافية، منها التعليم واللغة”.
كما تقوم الحكومة بتسفير العمال الوافدين المخالفين لقانون العمل، ومنها عدم وجود تصريح عمل، أو إذا كان العامل لا يعمل بنفس المهنة المبينة في تصريح العمل، أو في حالة عدم عمله لدى نفس صاحب العمل المصرح بالعمل لديه، حسب وزارة العمل، على موقعها الرسمي.
ويزداد التحايل والنصب على هذه الفئات الضعيفة في المناسبات الرسمية من أعياد دينية واجتماعية، خصوصا إذا صادفت مع تقاضي الرواتب الشهرية، فضلا أن أغلب المحتالين يختارون شوارع فرعية غير مرئية ليمارسوا جرائمهم، كما أنهم على دراية بصلاحيات البحث الجنائي.
وأقدم مجهولون، مؤخرا في منطقة ضاحية الرشيد، على “انتحال شخصيات رجال أمن عام، وكانت بحوزتهم أسلحة وقيود حديدية؛ حيث تمكنوا من الاحتيال على أحد العمال المصريين، وسرقوا منه 1900 دينار”، وفق مصدر أمني.
وقال المصدر إن “العامل المصري تقدم بشكوى رسمية إلى مركز أمن الرشيد، حيث جرى التعميم على أوصافهم وأماكن تواجدهم، تمهيداً لإلقاء القبض عليهم وإيداعهم للقضاء”.
ولا يتجاوز عدد القضايا السنوية التي تندرج تحت جريمة “انتحال شخصية رسمية أمنية” 15 قضية في العام الواحد، إذ يكرر المحتالون الجريمة ذاتها، رغم العقوبات القانونية، وفق تصريح الناطق الرسمي باسم مديرية الأمن العام العقيد عامر السرطاوي.
ودعت مديرية الأمن العام المواطنين والمقيمين على أرض المملكة، “في حال استيقافهم من قبل أي شخص يرتدي زيا مدنيا ويقوم بالتعريف على نفسه بأنه من رجال الأمن العام، عدم التردد بطلب الإثبات الرسمي منه للتأكد من هويته”، وفق السرطاوي.
وأكد أن “جميع العاملين بالزي المدني من منتسبي الأمن العام يحملون (باجات خاصة) لهذه الغاية، ويتم إبرازها لأي شخص يتم إيقافه”، مطالبا المواطنين “في حال الاشتباه بأي شخص أو مركبة، ضرورة الإبلاغ من خلال رقم الطوارئ الموحد 911، أو مراجعة أقرب مركز أمني”.
يشار إلى أن إدارة البحث الجنائي “تعاملت مع العديد من قضايا السرقات والاحتيال نهاية العام الماضي، حيث بلغ مجموع تلك القضايا (105) قضايا، منها ضبط عدد من مرتكبي قضايا الاحتيال على العمالة الوافدة، من خلال انتحال صفة موظفين رسميين، خاصة رجال الأمن، وسرقة ما بحوزتهم من نقود، وكان من أبرز تلك القضايا، القبض على شخصين، يوجد بحق الأول (11) طلبا أمنيا وقضائيا، والثاني (10)”.
رشوة جنسية من عاملات منازل
إذا كانت السرقة هي الهدف من الاحتيال على العمال الوافدين الذكور، فإن الوضع يختلف مع عاملات المنازل، سواء كن من الجنسيات الإفريقية أو الآسيوية، حيث يصل طلب بعض المحتالين حد “ممارسة البغاء معهن”، وفق رواية بعضهن، وفضلن عدم الكشف عن أسمائهن، كونهن مخالفات لتصاريح الإقامة والعمل.
في هذا الإطار، “استوقف رجلان يدعيان أنهما من رجال الأمن، عاملة منزل من جنسية أفريقية في منطقة الدوار السابع، طالبين منها بلغة إنجليزية غير مفهومة، بطاقة إقامتها ومكان عملها، معرفين عن أنفسهما بأنهما من الأمن، فأشهرت بطاقتها الشخصية، مؤكدة لهما أنه ليس لديها مانع من العمل في تنظيف المنازل، على أن تتقاضى أجرها مقابل 25 دينارا في اليوم الواحد”.
وبعد أن “اطمأنت العاملة كونهما من الأمن، ذهبت معهما في وضح النهار، لتنظيف منزلهما، حسب الاتفاق المبرم، لكنها تفاجأت بالسائق يوقف السيارة أمام باب صيدلية، وأخبرها بأنه يرغب بممارسة الجنس معها وإلا سيسلمها للبوليس”، وفق العاملة الكينية ساناتا (اسم مستعار).
وتضيف أنه “لم يكن أمامها من سلاح إلا الصراخ وضرب الزجاج بيدها حتى تخلصت منهما، بعد أن اعتراهما الخوف والرعب من ضبطهما متلبسين بجرم الاحتيال والخطف”، حسب إفادتها في مركز “تمكين” للدعم والمساندة القانونية.
وفي هذا الصدد، أكدت مديرة مركز “تمكين” ليندا كلش، أن المركز “تعامل مع حالات احتيال باسم الأمن لكنها محدودة، وبناء على ذلك يتم تبليغ الجهات الرسمية مباشرة لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم”، مرجحة “وجود شبكة من المحتالين يستهدفون هذه الفئات الضعيفة التي يكثر تواجدها في عمان الشرقية ومنطقة سحاب”.
وتضيف كلش: “أكثر قضايا الاحتيال لم يثبت فيها شروط الاحتيال لمعاقبة الفاعل، كونه شديد الذكاء ولديه خبرة قانونية، فلا تنطبق عليه شروط الاحتيال التي نص عليها قانون العقوبات بموجب المادة 417”.
وتتابع: “كما أن بعض المحتالين يطلبون رشوة جنسية من عاملات غير قانونيات مقابل تصويب أوضاعهن أو عدم تسليمهن إلى وزارة العمل، بينما يذهب البعض حد ترهيب العمال الوافدين، بخاصة المصريين غير النظاميين، وإجبارهم دفع مبالغ مالية”.
وتزيد: “يترصد المحتالون هؤلاء العاملات، كونهن من الفئات الضعيفة، كما يلعبون على وتر جهلهن بقراءة اللغة العربية، فهن وإن طلبن هويته فقد تتعرف على الشعار والصورة لكنها تجهل قراءة تفاصيل الهوية”، مشيرة إلى “ضرورة إيجاد تنظيم عمالي قوي يستند إلى توعية هذه الفئات بحقوقهم”.
وفي المقابل، اقترحت كلش “تدريب رجال الأمن في المراكز الأمنية الذين يستقبلون شكاوى العمال من مختلف الجنسيات، على آلية إنصافهم والاستماع لهم، بعيدا عن أي نظرة دونية لهم، لاسيما وأن العاملات الهاربات يتعرضن إلى تحرش جنسي في الشارع، ويخشين من تقديم شكوى رسمية”.
عموما، فإنه، ومن خلال إجراءات البحث الجنائي في قضايا النصب والاحتيال، يتبين أن “غالبية المحتالين يمتهنون الاحتيال لعدم تعرضهم للعقاب الرادع، الأمر الذي يبقيهم خارج أسوار السجن، ويشجعهم على تكرار فعلتهم مع أشخاص آخرين، بسبب تردد أو خوف بعض الضحايا من تسجيل شكوى ضدهم، أو لتنازلهم عن حقهم نتيجة تعرضهم للابتزاز والتهديد من قبل المحتال، أو لطول أمد التقاضي في المحاكم، أو لتنازلهم عن حقوقهم خوفا من منعهم من مغادرة البلاد خلال فترة النظر في القضية في المحاكم، ما يؤدي إلى سقوط القضية”.
ودليل ذلك أن العاملة حليمة البنغالية الجنسية تنازلت عن إسوارتها الذهبية ومبلغ 50 دينارا، هما كل ما تملك في حقيبتها لرجل كانت تعتقد أنه من رجال الأمن، قائلة: “ما بدي مشاكل ماما مع بوليس.. ما في أنا إقامة في الأردن.. زوجي بشتغل في مصنع بسحاب كل يوم كل يوم، وأنا بنظف بيوت، حرام والله حرام أنا مسكين”.
وتضطر حليمة للعمل في ظروف قاسية، متنقلة من منزل إلى آخر، هاربة من مستخدمتها، بعد أن “تعرضت إلى انتهاكات لفظية وجسدية” حسب قولها، حتى إنها “اضطرت إلى الهرب منذ 4 أعوام، لتقع فريسة سلب كل ما تملك”.
وتضيف أنها “خلال هذا الشهر، ستكثف عملها الجزئي في المنازل حتى ترسل إلى أولادها مصروفهم الشهري في بلدها، ولتدفع إيجار منزلها الصغير في منطقة ماركا، البالغ 90 دينارا”.
بدورها، تؤكد الخبيرة القانونية الناشطة في مجال حقوق الإنسان سعوده سالم، أنه “في حالة تكرار الفعل من قبل المحتالين الذين يستغلون الفئات الضعيفة باسم “رجال الامن” على القاضي ان يستخدم صلاحياته القانونية باتخاذ أقصى العقوبات بحقهم”.
ونضيف سالم: “في حال تحول انتحال الشخصية الأمنية إلى ظاهرة، فأقترح أن يتم إعداد حملات إعلامية لنشر التوعية والإرشاد بين المواطنين من هذه السلوكيات، وتشجيعهم على تقديم شكاوى في المراكز الأمنية لضمان حقوقهم”.
ويشير قانون العقوبات المعدل، بموجب القانون المؤقت رقم 12 لسنة 2010 تحت بند “الجرائم الواقعة على السلطة العامة” حول انتحال الصفات أو الوظائف، في المادة 202، إلى أنه “يعاقب بالحبس من شهر الى سنة كل من انتحل شخصية موظف في الخدمة العامة، مدنية كانت أو عسكرية، في مناسبة كان فيها ذلك الموظف مكلفاً بالقيام بفعل أو بالحضور إلى مكان بحكم وظيفته، كما يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين.

اقرأ ايضاً

اترك تعليق