الملك: إشعال صراع شيعي سني بالشرق الأوسط سيفتح باب شرور لا ينتهي

كانبيرا – أكد جلالة الملك عبد الله الثاني أن رئاسة دونالد ترامب ستؤدي إلى “تغيير” الوضع القائم للعديد من القضايا في منطقة الشرق الأوسط، لكنه أضاف علينا الانتظار لنرى تشكيلة الفريق الانتقالي للرئيس، ووجهة نظره إزاء المنطقة وباقي العالم.
وقال، في مقابلة مع محطة “ايه بي سي” التلفزيونية الأسترالية بثتها أمس وأجراها مقدم البرنامج الحواري السياسي “ليتلاين” الإعلامي توني جونز، إن مستوى التناغم مع الرئيس ترامب جيد جداً، مضيفاً إنني أعرف عدداً كبيرا من أفراد الفريق الانتقالي، فالولايات المتحدة دولة مؤسسات.
وأوضح جلالته أن الغالبية يدركون بأنه لا يمكن حل الأزمة السورية بدون الروس، مشيراً إلى أننا علينا الانتظار في هذه المرحلة لنرى طبيعة الاستراتيجية الأميركية وكيف سيتم التعامل مع الروس.
وأكد في الوقت نفسه أن ما يحدث في حلب مثلاً هو مأساة إنسانية، مبيناً ما لم يكن هناك تفاهم بين واشنطن وموسكو، ومن ثم الأطراف الأخرى، فإننا بعد عام سنبقى نتحدث عن المآسي التي ترتكب على الأرض.
وذكر أنه يوجد تنسيق على المستوى العسكري وبشكل ناجح بين الروس والولايات المتحدة فيما يخص سورية والعمليات القائمة هناك.
وفيما يخص تنظيم “داعش” الإرهابي، قال جلالة الملك إن تدمير داعش يجب أن يكون أولوية الجميع، حيث أن هذا الهدف هو صميم الحرب الدولية على الإرهاب، موضحاً أننا من جهتنا ننظر إليها كحرب داخل الإسلام، ولا يمكننا الانتصار فيها بدون دعم باقي الأديان والدول الأخرى.
ولفت جلالته إلى أن هناك بعض الدول التي فيها توتر بين الشيعة والسنة، وآخر ما نود أن نراه هو حرب مذهبية بين أتباع نفس الدين، مؤكداً أن إشعال صراع شيعي سني في الشرق الأوسط سيفتح بابا لا ينتهي من الشرور، فثنائية السنة والشيعة تمتد من بيروت إلى بومباي.
كما أكد أن إيران مسؤولة عن تأجيج الصراع الطائفي في منطقتنا، لكنهم لديهم عدة أوراق يلعبون بها، منها الاتفاق النووي ودعم منظمات تعتبر إرهابية.
وفيما يلي نص المقابلة:

* جلالة الملك، أشكرك لانضمامك إلينا.
– يسعدني أن أكون هنا.

* أود أن أبدأ بالسؤال الكبير الذي يدور في أذهان الجميع، هل من الممكن أن تغير رئاسة ترامب قواعد اللعبة في منطقة الشرق الأوسط؟
– بالتأكيد ستؤدي إلى تغيير الوضع القائم للعديد من القضايا التي نتعامل معها، علينا الانتظار لنرى تشكيلة الفريق الانتقالي للرئيس، ووجهة نظره إزاء منطقة الشرق الأوسط كما باقي العالم، فلا أعتقد أن منطقتنا وحدها هي التي تنتظر بترقب، وإنما العالم أجمع.

* أجل. وهل تعتقد أن قادة العالم ينتظرون بفارغ الصبر متمنين نتائج إيجابية بعد سباق رئاسي اتسم بدرجة عالية من الاستقطاب.
– في الحقيقة، إنه موضوع شغلنا جميعا خلال العامين الماضيين. لقد تكلمت مع الرئيس المنتخب دونالد ترامب الأسبوع الماضي، كان مستوى التناغم جيداً جداً خلال الاتصال، أعرف عدداً كبيرا من أفراد الفريق الانتقالي، ومن المعلوم أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات. سيكون هناك تغيير في السياسات، ولكن ليس بالمستوى الذي يعتقد البعض أنه يدعو إلى القلق، لذلك يجب أن نحسن الظن ونعطيهم الفرصة للعمل.

* أحد الأمور التي يُنظر إليها بتمعن هي الصراع الأكبر في المنطقة: سورية. هل أنت قلق من أن الرئيس ترامب سيتبنى ما يمكن وصفه بشكل رئيس بأنه الموقف الروسي والمتمثل في الإبقاء على الرئيس الأسد ونظامه على رأس السلطة إلى أمد مفتوح؟
– أعتقد في هذه المرحلة أن جميع الخيارات متاحة ومطروحة على الطاولة، ولكن مرة أخرى يجب أن أكون واضحاً بأن غالبيتنا، ممن يفهمون الأزمة السورية، يدركون أنه لا يمكن حل الأزمة بدون الروس. وهذا أمر لطالما ناقشناه على مدار العامين الماضيين. وعليه، ففي هذه المرحلة علينا الانتظار لنرى طبيعة الاستراتيجية الأميركية وكيف سيتم التعامل مع الروس، وهذا هو الأمر الذي يشغل الجميع، ولكن وفي ذات الوقت، وكما ناقشنا بعجالة قبيل البدء بإجراء المقابلة، الأمر يرتبط أيضاً بالتطورات الميدانية، فما يحدث في حلب مثلاً هو مأساة إنسانية، لا أعتقد أنه بإمكاننا عمل الكثير حتى تأخذ الإدارة الجديدة موقعها، وتبلور استراتيجيتها، ويتم التواصل مع الروس.

* أهذا برأيكم ما حدث؟ فقد تخلى الروس عن عملية السلام بحجة أن الحلفاء يدعمون قوات “الشام” التي تتبع لتنظيم النصرة المدعوم من القاعدة والمتواجد في شرق حلب؟ ولكن وفي ذات الوقت يبدو للجميع أنهم ينتظرون إلى حين تنصيب الرئيس الجديد.
– أعتقد أنه من وجهة النظر الروسية كان هناك نوع من الانتظار والترقب لرؤية من سيفوز بالانتخابات والإدارة الجديدة التي ستتولى زمام الأمور. وبالتالي فإنهم شعروا بأنه بإمكانهم فعل ما يريدونه في سورية، ولكن في ذات الوقت من الصعب وضع اللوم، فيما يتعلق بالمحادثات، على طرف معين.
ما نأمله جميعاً هو أنه مع قدوم الإدارة الجديدة وبلورتها لاستراتيجيتها أن يكون هناك بعض الانسجام. فنحن في نهاية المطاف نواجه خطرا عالمياً للإرهاب، يمثل حرباً عالميةً ثالثة بأدوات أخرى، كما وصفتها، وليس امتدادا للحرب الباردة، حيث يساورني شعور بأن درجة الكراهية بين موسكو وواشنطن أعلى من الكراهية تجاه القوى الإرهابية التي نواجهها على مستوى العالم. آمل أن يتغير ذلك، لأن الأولوية تتمثل في مواجهة هذا الخطر العالمي.

* إذن، هل تعتقد بأن شكلا ما من الاتفاق بين ترامب وبوتين سيخلق فرصة فيما يخص سورية، وهل ستكون على استعداد، وهل سيكون التحالف بإطاره الأوسع على استعداد لرؤية الأسد مستمراً في منصبه، إذا ما مثل ذلك رغبة الروس؟
– نحن بحاجة بكل تأكيد إلى فرصة في سورية، لأن الأمور لا تجري بشكل جيد من منظور سياسي منذ الأشهر الستة الماضية وإن لم يكن أكثر. وما لم يكن هناك تفاهم بين أميركا وروسيا، بصفتهما القوتين الرئيسيتين، ومن ثم الأطراف الأخرى، فإننا بعد سنة من اليوم، سنبقى نتحدث عن المآسي التي ترتكب على الأرض.
ويجب أن أذكر هنا بأنه حتى مع وجود مسار سياسي للأزمة، وبغض النظر عن الموقف من الأسد، فإن الأطراف تعتقد أنه بمجرد وجود هذا المسار السياسي فإنه لا داعي للقلق إزاء أي أمور أخرى، لكن الشق الثاني للموضوع هو أن هناك حربا قائمة ضد الإرهاب داخل سورية، وهذا أمر سيستغرق وقتاً. لذا، فالسياسيون يعتقدون أن الأمور ستحل سريعاً لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً وسيستمر لفترات أطول، وليس فقط في سورية.

* حول هذا الموضوع تحديداً، تحدثت عن التناغم، وقد كان هناك حديث سابق من الأميركان والروس عن وضع عمليات مشتركة ورئاسة موحدة لتنسيق الضربات الجوية. هل تعتقد أن ذلك ممكن، وهل هو عرضة للانتكاسة إذا ما قام الروس بتهديم شرق حلب بالطائرات بحلول كانون الثاني؟
– في العادة، ما يحدث في منطقتنا هو أن الأطراف تبادر إلى فرض حقائق على الأرض قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فإذا ما كان علينا الانتظار حتى شباط أو آذار القادمين، فإنني أعتقد أن الكثير من الأبرياء سيعانون بسبب ذلك. ولكن فيما يخص التنسيق، فإنني أعلم، وبحكم الاطلاع المباشر، بوجود تنسيق على المستوى العسكري وبشكل ناجح بين الروس والولايات المتحدة فيما يخص سورية والعمليات القائمة هناك. وهذا التنسيق كان يتأرجح بحسب التحسن أو التراجع في مستوى العلاقة السياسية، آمل أن يكون هناك تركيز جديد، وأعتقد أن الجلوس إلى الطاولة والاتفاق ما زال ممكناً، وهو أمر شاهدناه على المستوى العسكري في عدة مناطق من سورية.

* ترامب أوضح بشكل جلي أن أولويته ستكون تدمير داعش، وإذا لزم ذلك حصوله على مساعدة روسيا، فإنه سيسعى للحصول على أي دعم ممكن، هل من الممكن فعلاً القيام بذلك؟
– أعتقد أن تدمير داعش يجب أن يكون أولوية الجميع، وإنني مستمر بالتذكير بأن هذا الهدف هو صميم الحرب الدولية على الإرهاب. فمن جهتنا ننظر إليها كحرب داخل الإسلام، ولا يمكننا الانتصار فيها بدون دعم باقي الأديان والدول الأخرى، فهذا الخطر ليس محصوراً بالعراق وسورية فقط، بل إننا نواجهه في ليبيا، وفي خطر بوكو حرام والشباب، وطالبان، وحتى في هذا الجزء من العالم (أستراليا) تواجهون تحديات شبيهة، وما لم نتعامل مع هذا التحدي بمنظور شمولي وعالمي فإننا لن ننتصر.
ولا بد من أن نكون قادرين على مواجهة هذا التحدي في أكثر من ميدان، وهذا شكل مصدر إحباط في الماضي، حيث كان يتم التعامل مع التحديات كل على حدة، حيث يتم التعامل مع سورية الآن وتأجيل العراق لما بعد. وعندما تنظر إلى الحملة الحالية في العراق وسورية ضد داعش، فإنه يلاحظ، خلال العام الماضي، بأن قادة الإرهابيين بدأوا بالتحرك إلى ليبيا. فهل سننتظر عاما أو عامين حتى نتعامل مع الخطر في ليبيا؟ وإن نجحنا في ذلك هل نبدأ بعدها بعامين بالحديث مع الدول الإفريقية للضغط على بوكو حرام والشباب في شرق وغرب إفريقيا؟ فعلى هذا المنوال لن ننجح أبدا.

* لا بد إذن من أن تقوم بكل هذه الجهود بشكل متزامن، وبما أنكم طرحتم هذا الموضوع، هل تسعون أو هل أنتم بصدد خلق تعاون مع أستراليا؟ والتي تقع في وسط هذه المنطقة حيث توجد أندونيسيا، التي هي أكبر دولة مسلمة، إلى الشمال من أستراليا.
– بالطبع، فأستراليا تلعب دورا محوريا في الشؤون الدولية، ولديكم قوات خاصة ذات قدرات عالية، وقد رأيناهم في منطقتنا خلال السنوات الماضية، وسواء إذا قاموا بالعمل في منطقتنا، أو تصدوا للتحديات هنا في الشرق الأقصى، فهذا أمر علينا القيام به، وأعتقد أن حكومتكم تدرك ذلك، ولقد قمنا ببحث هذه الأمور، وكذلك فعلت حكومات أخرى تتمتع بحس المسؤولية في هذه المنطقة.

* هل تكلمتم مع الحكومة الأندونيسية، وهل تنظرون إلى أندونيسيا كجزء مهم ضمن هذه الرؤية المركبة التي تحاولون توضيح جزئياتها، أعني الحرب العالمية ضد الحركات المتطرفة؟
– بالتأكيد، فإذا نظرت إلى أندونيسيا وكونها أكبر دولة مسلمة في العالم، ستجد درجة تناغم عالية بين السكان هناك، فهي دولة ذات غالبية مسلمة، لكن يوجد كذلك كاثوليك ولطالما كانت العلاقات بينهم جيدة. ما لا نتمناه، هو أن نخسر فرصة التأكد من أن الجميع يعمل معاً ضمن شراكة وتعاون. ولا بد من النظر مرة أخرى إلى دول أخرى في المنطقة لحل المشكلة من ناحية عسكرية خلال ثلاث أو أربع سنوات من الآن. لذلك أعتقد أن التنسيق مع أندونيسيا ودعمها للتأكد من أن التهديد الإرهابي محاصر ويتم القضاء عليه في أندونيسيا هو شيء علينا التفكير به.

* عند النظر إلى هذه المعادلة المعقدة، وخصوصا فيما يتعلق بالإسلام نفسه، حيث يوجد اختلافات بين الشيعة والسنة، وعلى الجانب الشيعي تبرز إيران كقوة صاعدة. السؤال المهم لدى الكثير من الناس، خصوصا بعد التوصل إلى الاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة التي أبرمها أوباما مع إيران، هو إذا ما تم إقناع ترامب من قبل إسرائيل بالتخلي عن الصفقة. هل تعتقدون بأنه سيقدم على ذلك؟
– لا أود الخوض في تكهنات، وإنني متأكد من أنه يوجد قلق في منطقتنا حيال هذا الأمر. وكما قلت هناك بعض الدول التي فيها توتر بين الشيعة والسنة، وآخر ما نود أن نراه هو حرب مذهبية بين أتباع نفس الدين. المشكلة تكمن في أولئك الذين ندعوهم الخوارج. هؤلاء مجرمون قاموا بأعمال إجرامية في بلدي، وفي أوروبا وبلدكم، وهذه هي المجموعة التي علينا مواجهتها الآن.
إن إشعال صراع شيعي سني في الشرق الأوسط سيفتح بابا لا ينتهي من الشرور، فثنائية السنة والشيعة تمتد من بيروت إلى بومباي وهذا آخر ما نريد أن نراه. في هذه المرحلة، نريد أن نركز على مواجهة من نسميهم بالخوارج.

* هل تعتقدون أنه من المهم للولايات المتحدة، وطبعا سيكون الأمر بيد الكونغرس والرئيس أيضاً، أن يحافظ على الاتفاق النووي مع إيران. وهل سيتأثر توازن القوى سلبا إذا قرر الأميركيون، بإلحاح من الإسرائيليين، التخلي عنها؟
– كما تعلم، فإن إيران مسؤولة عن تأجيج الصراع الطائفي في منطقتنا. لكن مجددا، عند النظر إلى الإيرانيين فإن لديهم عدة أوراق يلعبون بها، إحدى هذه الأوراق هي الاتفاق النووي، وورقة أخرى تتمثل في النقطة التي ذكرتها للتو، فهم يدعمون منظمات تعتبر إرهابية.
لذلك، أعتقد أنه عندما تنظر إلى إيران، فيجب أن تنظر إليها بنظرة كلية. مرة أخرى، ما زال من المبكر أن نفهم أين ستكون السياسة الأميركية الجديدة بشأن ذلك. الكل سيكون لديه رأي، لكنني أعتقد أنه يجب أن نبقيها في إطار الصورة الكاملة.

* ما كنت أفكر به هو إمكانية أن يكون له أثر على سورية، بمعنى أن التوازن بين إيران، وروسيا، والولايات المتحدة، وبعض الدول العربية كل هذه الأطراف التي لها مصالح جدية في سورية، قد يختل؟
– هناك قضايا متعددة، فإذا كنت ستركز على موضوع واحد وتجعله مقياساً لاستراتيجية الولايات المتحدة، فذلك سيؤثر على أبعاد كثيرة في الشرق الأوسط تمتد من المغرب إلى اليمن. لذلك، لا أستطيع أن أتكلم نيابة عن الإدارة الأميركية الجديدة، لكنني أعتقد أنهم حالياً، وفي الوقت الذي يتم فيه تشكيل فريق الإدارة، يسعون إلى النظر إلى هذه القضايا من ناحية استراتيجية. فإذا كنت تنظر إلى إيران عليك أن تدرك أنها تؤثر ليس فقط على أفغانستان بل على العراق وسورية ولبنان إلى حد ما، ولدينا مشاكل في اليمن وإفريقيا. لذلك، فالسؤال المطروح هو كيف ستوازن استراتيجية الإدارة الجديدة بين كل هذه الأمور والنظر إليها كعناصر متكاملة.

* لقد قلتم إن لديكم علاقات جيدة مع الفريق الانتقالي، لكن على الأقل هناك شخص واحد منهم، وهو الجنرال مايكل فلين الذي تم اختياره ليكون مستشارا للأمن القومي. وفيما يتعلق بهذه الحرب العالمية ضد الحركات المتطرفة التي تحدثتم عنها، أتساءل إن كانت ستتأثر سلبا بقيام شخص مثل فلين بوصف الإسلام بأنه سرطان وأنه أيديولوجيا سياسية تختبئ وراء مفهوم الدين. وكونه مستشارا للأمن، هل من الممكن أن يضر ذلك بالعلاقات أو يضر بالفكرة التي تتكلمون بها، وهي محاولة إيجاد إجماع دولي للقضاء على الحركات المتطرفة؟
– لا بد من تجاوز التصريحات التي تصدر أثناء الحملة الانتخابية، وإعطاء الإدارة الجديدة الفرصة للعمل وحسن الظن. وجزء من المشكلة باعتقادي، وهو مصدر الإحباط الرئيس، إذا ما تمعنت في تصريحات بعض الأشخاص هو غياب الفهم للإسلام ولطبيعة التحديات التي نواجهها. وعلى هذا الأساس فلطالما قلنا بأن هذه الحرب التي نخوضها هي حربنا كمسلمين، ولكن غالبية غير المسلمين لا يفهمون ديننا. فهل يعرفون أننا نؤمن بالسيد المسيح؟ وأن مريم العذراء ذكرت حوالي 35 مرة في القرآن الكريم، بينما ذكرت 25 مرة فقط في الإنجيل؟ وأن النبي موسى تم ذكره أكثر من 130 مرة في القرآن الكريم؟ لذا، فمن الضروري أن تعلم أن المسلم الحق يؤمن بالإنجيل والتوراة والقرآن؛ كما يجب أن نؤمن باليهودية والمسيحية بصفتهما ديانتين سماويتين موحدتين.
لكن ما لا يفهمه كثيرون هو أن العدو يحاول أن يخلق هذا الجو من العداوة القائم على التفريق بين المسلمين وغير المسلمين، وهذه هي المشكلة الكبيرة التي سنقع فيها في السنوات القادمة إذا وقعنا في ذهنية التفريق بين المسلمين وغيرهم. إننا جميعا، ومن مختلف الأديان، في الواقع في الخندق نفسه ضد من أسميهم دائما بالخوارج، الخارجين عن الإسلام.

* أعتقد أنني أتحدث باسم العديد من الأشخاص في العالم إذ آمل أن تلتقي بترامب يوما ما وتوضح له ذلك، هل تعتقدون أن هذه الفرصة ستكون متاحة؟
– آمل أن يكون لنا لقاء، وكما قلت فإنني قد أجريت معه حديثا جيدا عبر الهاتف، وكنت قد التقيت به بضع مرات قبل سنوات. هناك تواصل جيد مع العديد من أعضاء فريقه. إن العديد من الأوروبيين يدركون طبيعة التهديد من وجهة نظر الحكومات، وهم يتحدثون بنفس المنطق الذي أتحدث به، ويفهمون أين يكمن التهديد داخل الإسلام، وقد لا تتيح مدة المقابلة الخوض في تفاصيل ذلك لكن إذا أدركنا أن جذور المشكلة تكمن في فئة لا تزيد على 1 أو 2 % من المسلمين السنة.

* هل هؤلاء هم من تصفهم بالخوارج؟
– فإذا فهمت أين يكمن الخطر داخل الإسلام وطبيعة الطيف الفكري، يصبح من السهل التعامل مع الإرهاب والتحديات، وينطبق ذلك على مجتمعاتكم، حيث نجد أن من الضروري تحديد من أين تنبع المشكلة وتحديد طبيعة الخطر، أعتقد أن هذه مشكلة يعاني منها الجميع.

* أعتقد أننا بحاجة للعودة إلى التاريخ بعض الشيء، فهناك تاريخ طويل لظهور مثل هذه الحركات الخارجة على القانون في تاريخ الإسلام يعود إلى القرن الأول.
– تماما، وقد كانوا شرسين جدا لدى بروزهم الأول، لكن الإسلام وقف في وجههم واستأصلهم.

* هل تعتقد أن هذا ما سيحصل الآن؟
– بالتأكيد، وهذا هو الهدف من التحالف. وأعتقد أن التحدي الذي نواجهه مع الغرب أحيانا، حيث العديد منا في المنطقة في أوج المعركة ضد هؤلاء، بينما نسمع من جهات عن مبادرات سلام أو نقاشات لتعزيز الحكومات، وليبيا مثال واضح على ذلك. ففي الوقت الذي ينخرط فيه أفراد في ميدان الحرب على المتشددين، يتحدث البعض، في هذه المرحلة، عن عملية ديمقراطية في ليبيا، وهنا نقول لهم: نحن في خضم حرب الآن، وهي معركة واضحة بالنسبة لنا: نحن ضد هؤلاء الخوارج. فهؤلاء يجتزئون نصوص القرآن لتبرير عملياتهم الانتحارية وقتل الأبرياء واضطهاد النساء، وهذا ليس من ديننا في شيء. ولذا فإننا كمسلمين أول من يعتبر هذه الحرب حربنا، ولكننا لا نستطيع أن نخوضها وحدنا.

* نعم، على الطرف الآخر من المعادلة نرى ظهور جماعات يمين متطرف في أنحاء أوروبا، ولهم حضور محدود في أستراليا أيضا، بالإضافة إلى علامات استفهام كبيرة حول موقف الإدارة الجديدة في أميركا حيال المسلمين، خصوصا أن ترامب نفسه تحدث خلال الحملة الانتخابية عن منع جميع المسلمين من دخول بلده. ما مدى خطورة أن تسمح لأصوات المتطرفين أن تعلو وأنت تخوض حربا عالمية ضد الإرهاب؟
– كما قلت سابقا، أنا لا أعتد بما يقال أثناء الحملة الانتخابية، وأرى أن نمنح الإدارة الأميركية الجديدة فرصة للعمل وأن نحسن الظن. والمشكلة في هذا الخطاب أنه يخدم المتطرفين والخوارج. فهؤلاء يرون أنه لكي يحققوا سيطرتهم العالمية يجب أن يجذبوا التسعين بالمئة من المسلمين السنة المعتدلين إلى جانبهم ويجعلوهم يشعرون بأنهم معزولون ومستهدفون ومهمشون كي ينضموا إلى معسكر التطرف. فكلما صدرت تصريحات متشددة في أي مكان في العالم، صب ذلك أكثر في مصلحة الخوارج.

* هل يصيبكم الإحباط عندما ترون ذلك يحصل؟ فكل هذا يساهم فيه الصراع في سورية وموجات اللجوء الهائلة إلى أوروبا وظهور مجموعات متطرفة كحصان طروادة داخل تجمعات اللاجئين.
– مما يحبط معظم المسلمين أن يروا فئة قليلة تتحدث باسم الإسلام وترتكب أعمالا مخالفة له، فالمذاهب الرئيسية في الاسلام تحرم العمليات الانتحارية وقتل الأبرياء في الأسواق. وعندما نقول أن هناك قيما أخلاقية سامية في المسيحية، يوجد هناك قيم أخلاقية سامية في الإسلام أيضا، والمسلم الحق يفهم معنى الانسانية والرحمة، أما هؤلاء الذين نتعامل معهم فهم عدونا جميعا لأنهم لا يفهمون جوهر الدين.

* مرة أخرى، كونكم ذكرتم مخاطر هذا الأمر، هناك من يقول، بدون ذكر أسماء، من تيار اليمين، امنعوا المهاجرين وأوقفوا الهجرة. هل سوف يقلقكم أن تروا مثلا، كما فعلت أستراليا، أن الدول الأوروبية قررت إعادة القوارب التي تحمل اللاجئين السوريين من حيث تأتي؟
– علينا أن نتفهم مخاوف الناس، فقد كانت السنتان الأخيرتان صعبتين، وهي مشكلة لن تحل في يوم أو يومين. ونأمل أنه على المدى القصير سيتم الحسم العسكري، لكن على المدى الطويل يجب التعامل مع الجانب الفكري من الحرب، وهذا سيستغرق عقدا من الزمان على الأقل. يمكننا تفهم المخاوف الأمنية للدول بسبب الإرهاب، واحتمالية أن يكون هناك إرهابيون بين المهاجرين. وفي الأردن استقبلنا لاجئين سوريين يشكلون الآن ما نسبته 20 % من عدد السكان.

* وقد بلغ عددهم 1.3 مليون.
– في الحقيقة أن عدد اللاجئين السوريين الذين دخلوا الأردن على امتداد المرحلة الماضية، قد بلغ 2.5 مليون، فضلا عن الليبيين واليمنيين والعراقيين الموجودين في بلدنا، وقد واجهت كثيرا تساؤلات من أبناء شعبي المحبطين من وجود 20 % من السكان من اللاجئين السوريين وما تركوه من آثار سلبية على فرص العمل وقطاع العقار ونسب البطالة، وطلبوا مني أن أوقف استقبال اللاجئين السوريين في الأردن، فقلت لهم “لكن كيف يمكن ذلك؟ كيف يمكن منع امرأة حامل وتمسك بيد طفل آخر من الدخول؟ هل نمنع هؤلاء الهاربين من ظروف، حياتهم فيها مهددة؟”. هناك درجة من الإنسانية لا بد أن نلتزم بها تجاه بعضنا البعض، فلا مجال لفعل ذلك لأن هناك مسؤوليات أخلاقية علينا تحملها.

* هذه نقطة جيدة نختم بها حديثنا. في ضوء جدول التزاماتكم المزدحم. نشكركم جلالة الملك ونقدر الوقت الذي أتحتموه لنا.
– شكرا لكم، لقد سعدت بهذا اللقاء. -(بترا)

اقرأ ايضاً

اترك تعليق